أقلام و آراء

التكيف مع تغير المناخ من المقاربة الى الممارسة

محمد بنعبو *

يؤكد علماء المناخ أن التكيف مع التغيرات المناخية، التي يسببها ارتفاع نسبة ثاني أكسيد الكربون في الجو وتؤدي إلى كوارث بيئية، بات ضرورة لا مفر منها، مؤكدين ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية لتنجب أضرار تلك التغيرات في وقت مبكر قبل حدوثها.

لذا اصبح من الضروري التركيز على التكيف مع التغيرات المناخية التي يسببها ارتفاع الغازات الدفيئة في الغلاف الجوي.

و حتى لو تمكن العالم من الحد من ارتفاع درجات الحرارة العالمية فإن التغير المناخي سيصبح شيئا مستداما، وستواجه المجتمعات فترات جفاف وفيضانات عنيفة و اعاصير مدمرة، مما يؤكد الحاجة إلى التكيف.

وللتذكير فقط فإن أول تقرير عن التكيف لبرنامج الأمم المتحدة للبيئة و الصادر في ليما يظهر أن العالم ما زال غير مستعد لتغطية تكاليف التكيف والتي قال إنها ستكون أعلى بكثير مما كان يعتقد في السابق.

وطبقا لتقرير الامم المتحدة فإن تكلفة التكيف ستزداد بضعفين أو ثلاثة عن المبلغ المتوقع سابقا والذي يتراوح بين 70 و100 مليار دولار سنويا بحلول العام 2050 “حتى لو تم التوصل إلى خفض درجات الحرارة”.

و تجدر الاشارة إلى أن الدول النامية والدول الأقل نموا ستتحمل النصيب الأكبر من هذا العبء، بالرغم من توفر التمويل الدولي فإن الحكومات ستجد نفسها مضطرة لتحويل الموارد المحدودة لديها من مشاريع التنمية إلى مبادرات للتكيف.

و إلى جانب التمويل، هناك أمور حيوية أخرى تساعد على التكيف، من بينها المعرفة و البحث العلمي في العلوم البيئية واستخدام التقنية، ومن ذلك تمليك الشعوب الأدوات والمهارات الفكرية اللازمة للتعامل مع هذا الأمر.

و لن تقتصر القضايا التي يتعين على قادة العالم معالجتها خلال اجتماعهم في مدريد لحضور مؤتمر الأمم المتحدة المعني بتغير المناخ (كوب 25)، على الأهداف المستقبلية لتقليل انبعاثات غازات الاحتباس الحراري. بل يجب أن يتعامل قادة العالم أيضًا مع الضرر الذي أحدثه تغير المناخ في حياة الناس.
لم يكن تعزيز القدرة على التكيف مع تغير المناخ أكثر إلحاحًا من أي وقت مضى. فالعديد من المناطق تعاني من صعوبات كبيرة نتيجة لارتفاع درجات الحرارة العالمية وتغير أحوال الطقس.

ويجب على القادة التحرك لمساعدة المواطنين والحكومات على معالجة قضايا مثل ارتفاع منسوب مياه البحر، وحرائق الغابات، والأعاصير وغيرها من الكوارث الطبيعية، وزيادة التآكل الساحلي. حتى نتمكن من تحقيق أهداف اتفاق باريس، والمتمثلة في الحد من ارتفاع متوسط درجات الحرارة العالمية إلى أقل من درجتين مئويتين، فإن ما لا يقل عن 570 مدينة ونحو 800 مليون شخص سيكونون معرضين لخطر ارتفاع منسوب مياه البحر والعواصف المتكررة والمُدمرة. وستنمو هذه المخاطر مع زيادة ارتفاع درجات الحرارة. و سيكون بقاء بعض الدول الجزرية والمجتمعات الساحلية مهددًا دائما مع استمرار التغير المناخي العنيف.

لذلك، يجب الحد من المخاطر التي يشكلها تغير المناخ على البشر والاقتصاد.
و إذا لم يتم اتخاذ إجراءات حاسمة وسريعة، ستؤدي التغيرات المناخية الى عواقب وخيمة على البلدان سواء كانت غنية أم فقيرة، ساخنة أم باردة.

الفوائد الاقتصادية والاجتماعية الأوسع للتكيف مع تغير المناخ واضحة للغاية، حيث في شهر شتنبر الماضي أصدرت اللجنة العالمية للتكيف تقريراً يدعو الحكومات والشركات والمجتمعات المحلية إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لتعزيز تدابير التكيف. ويخلص التقرير إلى أن الاستثمار بقيمة 1.8 مليار دولار عبر خمسة مجالات رئيسية : أنظمة الإنذار المبكر، والبنية التحتية المرنة، والزراعة، وحماية أشجار المانجروف، وإمدادات المياه المرنة – من عام 2020 إلى عام 2030، يمكن أن يُنتج فوائد بقيمة 7.1 مليار دولار.

ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة استثمارية ضخمة. يتطلب تحدي المناخ تعاونًا عميقا بين القطاعين العام والخاص لزيادة الاستثمار الأخضر.

وسيظل العالم دائما بحاجة إلى ضمان بناء البنية التحتية لمعالجة التأثير المتزايد لتغير المناخ ووضع معايير عالمية واضحة للكشف عن مخاطر المناخ التي تشكلها المشاريع الاستثمارية.

على سبيل المثال: كيف ستتعامل المدن مع زيادة مخاطر الفيضانات، وكيف سيتم الحفاظ على الأراضي الزراعية بشكل إنتاجي مع تزايد موجات الجفاف؟ يجب على المستثمرين الكبار والصغار على حد سواء إدراك آثار التغيرات المناخية على استثماراتهم.

ويُمثل نقص الاستثمار في التكيف مشكلة خاصة بالنسبة للبلدان المنخفضة الدخل، والتي غالباً ما تكون أكثر حرارة وأكثر عرضة للخطر. يُعد دعم جهود هذه البلدان للتكيف مع تغير المناخ ضروريًا لقدرتها على التطور.

ومع ذلك، لا ينبغي تجاهل التحديات الأخرى. كلما ارتفعت درجات الحرارة العالمية، قلَّما سنتمكن من الاعتماد على التكيف مع تغير المناخ. يقدر العلماء أن درجات الحرارة سترتفع من 3 إلى 4 درجات بحلول نهاية هذا القرن، مما سيكون له عواقب وخيمة على الناس في جميع أنحاء العالم.

* مهندس ورئيس الجمعية الوطنية مغرب أصدقاء البيئة

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button