
محمدي تكتب.. جمعية السلام بين طموح الإدماج وقسوة الواقع
زكية محمدي *
في قلب مدينة قلعة مكونة، يوم 23 يونيو 2023، انبثق كيان حقوقي وإنساني تحت اسم جمعية السلام لإدماج المكفوفين وضعاف البصر (Association ESSALAM pour l’Intégration des Aveugles et Malvoyants). ولم يكن هذا التأسيس ترفًا، بل ضرورة ملحّة فرضها واقع يئن تحت وطأة التهميش، إذ اجتمع عدد من المكفوفين من ذوي البصائر لوضع حجر الأساس لمشروع يهدف إلى مساعدة فئة ظلت لسنوات طويلة خارج حسابات التنمية والاهتمام.
وقد تأسست الجمعية وهي تحمل في صلب أهدافها رؤية طموحة ترتكز على محورين؛ الأول تعليمي يسعى لتمكين المكفوفين من أدوات المعرفة عبر تدريس طريقة برايل والمعلوميات وتيسير ولوجهم إلى مراكز التدريس، سواء في إطار أقسام الإدماج أو مدارس المكفوفين التابعة للمنظمة العلوية لرعاية المكفوفين. أما المحور الثاني فهو اجتماعي توعوي يهدف إلى خوض معركة تغيير العقليات عبر حملات تحسيسية تصحح النظرة النمطية تجاه الكفيف، وتوعي ذويهم بأهمية إخراج أبنائهم إلى المجتمع وتوفير بيئة تحفيزية لهم، لأن الإعاقة كثيرًا ما تخفي وراءها قدرات وإبداعات عظيمة.
ورغم قصر عمر التجربة وغياب الإمكانيات، استطاعت الجمعية تحقيق منجزات تبعث على الفخر؛ فقد تمكنت من ضم أزيد من ثلاثين منخرطًا، وشاركت بعضهم في تنظيم رحلات ميدانية لكسر عزلتهم، إلى جانب تقديم حصص في تحفيظ القرآن الكريم وتدريس مبادئ برايل وتعليم جوانب من تقنيات استعمال الهاتف الذكي. كما لعبت الجمعية دور الجسر الإداري، إذ واكبت بعض المنخرطين في استخراج وثائق رسمية، والتسجيل في مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وتوجيه البعض منهم لمواصلة مسارهم الدراسي.
وقد كشفت هذه الخطوات، رغم محدوديتها، عن كنوز إبداعية دفينة لدى المنخرطين؛ فبينهم شعراء ورسامون وأصوات شجية في الغناء وتجويد القرآن، ومواهب أخرى لا حصر لها. وتطمح الجمعية مستقبلًا إلى تأطير هذه الطاقات عبر تعليمهم كيفية تنميتها وسقلها، من أجل الرقي بهذه المواهب والحفاظ عليها، وكذا تعليمهم الصناعة التقليدية والأعمال اليدوية لضمان استقلاليتهم وصون كرامتهم.
غير أن هذا البريق من الأمل يصطدم بواقع مرير تتجرع مرارته الجمعية والمنخرطون على حد سواء؛ إذ تواجه الجمعية اليوم تحديات جسيمة تهدد بقاءها، في مقدمتها افتقارها التام إلى مقر قار يحتضن فصول التدريس والأنشطة، وغياب وسيلة نقل تؤمن وصول المكفوفين من المناطق البعيدة، خاصة وأن أغلبهم يعيشون في فقر مدقع. كما تتجلى المعاناة في انعدام الدعم المالي والمعنوي، والنقص الحاد في أبسط الوسائل التعليمية كأدوات برايل والحواسيب وغيرها من المعدات الضرورية، مما يجعل تحقيق الأهداف المسطرة يسير ببطء شديد أمام احتياجات متزايدة.
إن مأساة الكفيف في قلعة مكونة تتجاوز العجز البصري إلى معاناة نفسية واجتماعية قاسية؛ حيث يواجه كثير منهم تهميشًا أسريًا نابعًا من “الاستحياء” أو عدم الاعتراف بقدراتهم، مما حكم على البعض بضياع سنوات العمر دون دراسة أو عمل حتى تقدم بهم السن في عزلة تامة. ومن هذا المنطلق، نضع هذا المقال أمام أنظار الجهات المسؤولة والضمائر الحية كرسالة مفتوحة، ونؤكد أن دعم جمعية السلام ليس مجرد مساهمة عابرة، بل هو استثمار في كرامة الإنسان وانتشال لمواهب حقيقية من براثن الإهمال، وإثبات أن الكفيف قادر على أن يكون عنصرًا فاعلًا ومنتجًا لا مستهلكًا ولا عالة إذا توفرت له الإرادة الأسرية والمجتمعية والبيئة الحاضنة التي تعترف بالبصيرة لا بالبصر فقط. وللاستفسار أو المساعدة: 0668447727.
(*) طالبة بسلك الماستر بمؤسسة دار الحديث الحسنية



