
أمرو يكتب.. المغرب يربح الرهان
كرة القدم رافعة للقوة الناعمة
قد يكون لقب كأس أمم إفريقيا قد استقر في خزائن السنغال، غير أن المغرب خرج من هذه الدورة رابحًا في معركة أعمق وأبعد أثرًا: معركة الصورة، والموثوقية، والقدرة على الإنجاز، إذ أثبتت مملكتنا الشريفة أن تنظيم التظاهرات الرياضية الكبرى لم يعد مجرد حدث رياضي عابر، بل أصبح أداة استراتيجية لتعزيز القوة الناعمة، وجذب الاستثمار، وتثبيت المكانة الإقليمية والدولية.
من هذه الزاوية، شكّلت البطولة واجهة حقيقية لعرض التحولات البنيوية التي يعرفها المغرب خلال العقدين الأخيرين، في إطار الرؤية الحكيمة للملك محمد السادس نصره الله، التي جعلت من الاستثمار في البنيات التحتية ورأس المال البشري رافعة أساسية للتنمية المستدامة. فالملاعب، وشبكات النقل، والمطارات، والفنادق، والخدمات اللوجستية، عكست مستوى نضج استثماري يُطمئن الفاعلين الاقتصاديين الدوليين، وترجمته تدفقات سياحية مهمة وانتعاشًا ملموسًا في عدد من القطاعات الحيوية.
سياسيًا، عزز نجاح التنظيم موقع المغرب كشريك موثوق قادر على تدبير ملفات معقدة في محيط إقليمي ودولي متقلب. فالأمن المحكم، وسلاسة التنقل، والانضباط الجماهيري العام، بعثت برسائل واضحة مفادها أن المملكة تتوفر على مؤسسات فعالة وأجهزة قادرة على ضمان الاستقرار، وهو عنصر حاسم في قرارات الاستثمار والعلاقات الدولية.
كما أن الزخم الإعلامي العالمي والمتابعة القياسية للبطولة أسهما في ترسيخ صورة المغرب كبلد منفتح، متسامح، ومتعدد الروافد الثقافية. وقد برز ذلك جليًا في تفاعل الجماهير الإفريقية والعربية والأوروبية، بما فيها الجماهير الجزائرية، التي عبّرت عن تقديرها لحسن الاستقبال والتنظيم، في مشهد إنساني عكس عمق الروابط الشعبية، بعيدًا عن الحسابات السياسية الضيقة.
وفي البعد الاستراتيجي، فإن الفترة الممتدة بين كأس أمم إفريقيا وكأس العالم 2030 تشكل مرحلة مفصلية لاستكمال الأوراش الكبرى التي يقودها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، من قبيل مشاريع توسيع شبكة القطار فائق السرعة “البراق”، وربط الأقطاب الاقتصادية من طنجة إلى مراكش وأكادير، وتحديث الطرق السريعة، وتعزيز العرض الفندقي بدعم عمومي، التي لا تعتبر فقط استجابة لمتطلبات تنظيمية ظرفية، بل استثمارات هيكلية ذات مردودية طويلة الأمد.
ويُنتظر أن تشكل مشاريع الملاعب الجديدة، وعلى رأسها ملعب الحسن الثاني ببنسليمان، رافعة إضافية للاقتصاد الرياضي، بما يحمله من فرص للشغل وتنشيط سلاسل القيمة المرتبطة بالبناء والخدمات والتسويق والصناعات الثقافية والرياضية، في انسجام مع التوجه العام الذي يجعل من الرياضة قطاعًا منتجًا ومولدًا للثروة.
ولا يمكن فصل هذا النجاح عن الرأسمال البشري المغربي، الذي أثبت، من سلطات أمنية وإدارية وتقنية، إلى متطوعين ومهنيين، قدرة عالية على التدبير الاحترافي. كما جسّد الحضور اللافت للأسرة الملكية في المدرجات بعدًا رمزيًا قويًا، عكس القرب من المواطن ورسّخ الثقة في النموذج المغربي القائم على الاستقرار والاستمرارية.
ختاما، أعتقد المغرب لم ينظم بطولة ناجحة فحسب، بل قدّم نموذج دولة توظف الرياضة كأداة للتنمية، وكجسر للدبلوماسية، وكمنصة لتعزيز مكانتها في عالم تتزايد فيه المنافسة على الاستثمار والصورة. وبين كأس إفريقيا وكأس العالم 2030، يراكم المغرب عناصر قوة تجعل منه فاعلًا وازنًا، ليس فقط في المستطيل الأخضر، بل في معادلات الاقتصاد والسياسة الإقليمية والدولية.



