
الأستاذ سموح يكتب .. نخب في الظل.. وجهة في الانتظار!
نورالدين سموح *
حين نتأمل حال جهة درا تافيلالت، نكاد نلمس مفارقة مؤلمة: جهة غنية بالطاقات، نابضة بالكفاءات، لكنها تقف على الهامش حين يتعلق الأمر برسم السياسات أو اتخاذ القرار وكأنها تسير بثقل الماضي، ولا تمنح حق المشاركة الكاملة في بناء مستقبلها أسوة ببقاقي جهات المملكة من هنا، يحق لنا أن نتساءل: أين هي نخب درعة تافيلالت؟ وهل نحن أمام نخب غائبة، مقصية، أم ضائعة بين الأدوار والأزمنة؟
النخبة، في معناها الأعمق، ليست مجرد أصحاب شهادات ومناصب، بل هي ضمير الجماعة؛ من يحسن الإصغاء لنبض المجتمع، ويحول انشغالات الناس إلى رؤى ومقترحات. وفي هذه الجهة، لا يمكن إنكار وجود أطر ومثقفين وأكاديميين وفاعلين مدنيين، سواء داخل تراب الجهة أو من أبنائها المنتشرين في مدن المغرب ومهجره. لكن هذا الحضور، في الغالب، يظل مشتتا، منفردا ، يفتقر إلى التنسيق والتأثير الجماعي المنظم.
لقد ظلت النخبة، لعقود، رهينة الإقصاء والتهميش، بفعل منطق الولاءات الحزبية الضيقة، وضعف آليات المشاركة الديمقراطية، وغياب الإرادة السياسية لدمج الكفاءات، ونتيجة لذلك، تولد ما يمكن تسميته بـ”الاغتراب النخبوي”، اي حين تشتغل العقول بعيدا عن موطنها، دون أن تجد جسورا تربطها بمصير الجهة أو تفتح لها مجالا للتأثير والاقتراح.
أما من اختار البقاء والانخراط محليا ، فقد وجد نفسه، في كثير من الأحيان، محاصرا داخل بيئة سياسية وإدارية مغلقة، تكافئ الولاء وتهمش الكفاءة، مما دفع البعض إلى الانسحاب بصمت، أو إلى الاشتغال ضمن مبادرات فردية معزولة تفتقر إلى الاستمرارية والفاعلية ، وهكذا، تآكل الدور الطبيعي للنخبة كموجه ومرشد وناقد، وتحول إلى حضور باهت أو صراع جانبي بعيد عن الهم الجهوي الحقيقي.
ويزداد المشهد تعقيدا حين نعلم أن درعة تافيلالت، رغم ثرواتها البشرية وعمقها الثقافي والتاريخي، ما تزال متخلفة عن ركب التنمية مقارنة بباقي جهات المملكة، وغائبة عن مراكز القرار الوطني ، وكان يفترض أن يشكل هذا الواقع دافعا لتوحيد الصف النخبوي، وتشكيل جبهة فكرية ومدنية تدافع عن الإنصاف المجالي والعدالة التنموية، إلا أن غياب المبادرات التنسيقية، وضعف التأطير المؤسساتي، أبقى الفعل النخبوي في حالة شرود حتى إشعار آخر.
ورغم هذا الواقع، بدأت في الآونة الأخيرة تلوح بوادر صحوة جديدة، تقودها نخب شابة تحمل هم الجهة، وتنشط في مجالات متعددة كالثقافة، والتنمية، والبحث العلمي. وهي تحاول أن تبتكر مسارات للفعل من خارج قوالب العمل التقليدي. وقد أفرزت هذه الدينامية مؤسسات وجمعيات مدنية واعدة، مثل: أكاديمية درعة تافيلالت للتفكير الاستراتيجي، مؤسسة درعة تافيلالت للعيش المشترك، مؤسسة الوصال للتنمية المستدامة، مؤسسة أراو ن غريس، جمعية تنغير للهجرة والتنمية… وغيرها، وكلها مؤشرات على ولادة وعي نخبوي جديد، أكثر التصاقا بانتظارات المجتمع، وأقل خضوعا للمنطق التقليدي المغلق.
وفي هذا السياق، تبرز الحاجة الماسة إلى التفكير في إحداث مؤسسة جهوية مستقلة لتتبع وتقييم السياسات العمومية بالجهة كقوة اقتراحية ، و تكون فضاء جامعا للكفاءات، وإطارا منظما للعمل النخبوي، ومنصة علمية للحوار والتأثير، مؤسسة لا تهدف إلى مواجهة الدولة، بل إلى دعم مجهوداتها التنموية عبر تقديم مقترحات بديلة، ورؤى واقعية، تكرس منطق التكامل بين الدولة والمجتمع.
إن استنهاض النخبة في جهة درا تافيلالت لا يعني توزيع المناصب أو الامتيازات، بل الغاية منها بناء جسور الثقة والتشارك، وتفعيل آليات التشبيك بين السياسي، والمدني، والأكاديمي، في إطار رؤية تنموية جهوية متكاملة، تجعل من النخبة شريكا حقيقيا ، لا مجرد متفرج.
فجهة درا تافيلالت بالتأكيد لا تحتاج فقط إلى ميزانيات أو برامج قطاعية، بل إلى نخبة واعية، مؤمنة بالجهة، ملتزمة بقضاياها. نخبة تخرج من الظل تساهم في التنمية المستدامة للجهة أسوة بباقي الجهات ، فالتنمية المستدامة والعدالة المجالية لا تتحقق إلا حين تستفيق نخبها، وتؤمن بدورها، وتتحول من الانتظار إلى الفعل.
(*) محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء
عضو المكتب التنفيذي لمؤسسة درا تافيلالت للعيش المشترك



