أقلام و آراءالواجهة

أمرو يكتب.. درعة تافيلالت.. منتخبون فاشلون وتجار يشعلون التشريعيات

تعيش الساحة السياسية بجهة درعة تافيلالت وضعا يثير الكثير من القلق والأسئلة، في ظل تراجع واضح في منسوب الثقة بين المواطن والفاعل السياسي، وتنامي الإحساس العام بأن السياسة فقدت جزءا كبيرا من معناها النبيل. فبدل أن تكون وسيلة للتأطير وخدمة الصالح العام، تحولت في عدد من المناطق إلى مجرد محطة موسمية ترتبط بالانتخابات، حيث تنشط الوعود وتبعث التحالفات المؤقتة ثم يخيم الصمت بعد انتهاء الاقتراع.

وخلال السنوات الأخيرة، لم تقدم فئات واسعة من المنتخبين حصيلة تقنع الرأي العام أو تستجيب لحاجيات الساكنة. إذ ظلت مشاكل البطالة والهشاشة وضعف البنيات الأساسية تراوح مكانها، بينما انشغل البعض بتدبير مصالحهم الخاصة وتوسيع نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي. كما أن حضور بعض الأسماء التي تفتقد للكفاءة أو تحيط بها شبهات المتابعة، زاد من تعميق أزمة الثقة في المؤسسات المنتخبة.

الأحزاب السياسية تتحمل بدورها مسؤولية مباشرة في هذا التراجع، بعدما فقدت في حالات كثيرة أدوارها التأطيرية والتكوينية، وتحولت بعض هياكلها المحلية إلى دكاكين انتخابية لا تفتح إلا عند اقتراب الاستحقاقات. وغاب النقاش العمومي الجاد، وتراجع إنتاج الأفكار والبرامج، مما جعل الساحة مفتوحة أمام محترفي الانتخابات أكثر من كونها فضاء للتنافس الديمقراطي الشريف.

ويسجل في المقابل عزوف لافت للنخب والكفاءات الجادة عن الانخراط في العمل السياسي، بعدما اختارت البقاء على “مسافة الأمان”، تعبيرا عن عدم الرضا تجاه ما يجري داخل عدد من التنظيمات الحزبية. وهو عزوف حرم الجهة من طاقات بشرية قادرة على الإبداع وصناعة البدائل، وترك المجال أمام وجوه تقليدية تكرر نفسها في كل محطة انتخابية دون أثر ملموس على أرض الواقع.

أما ما تحقق من تنمية في أقاليم جهة درعة تافيلالت، فإنه في جانب كبير منه لا يتجاوز البرامج التي أطلقتها الدولة، وعلى رأسها مشاريع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، إلى جانب برامج صندوق التنمية القروية FDR، التي ساهمت في فك العزلة وتحسين بعض الخدمات ودعم مشاريع اجتماعية واقتصادية. غير أن مساهمة الجماعات الترابية والمجالس المنتخبة ظلت محدودة، بسبب ضعف روح المبادرة وغياب الإبداع والقدرة على البحث عن الشراكات المنشودة وجلب الاستثمارات النوعية.

ففي الوقت الذي كان المنتظر من الجماعات الترابية أن تتحول إلى قاطرة للتنمية المحلية، عبر ابتكار الحلول واستقطاب المقاولات والمستثمرين، ظل أداء عدد منها محصورا في التدبير اليومي البسيط أو الصراعات الهامشية، دون رؤية استراتيجية واضحة. وهو ما جعل الدولة تتدخل في كثير من الأحيان لسد الفراغ وضمان استمرار المشاريع الأساسية التي ينتظرها المواطن.

والأخطر أن شرائح واسعة من المواطنين، خاصة المتضررين من ضعف التنمية وتنامي الهشاشة، ما زالت تنخرط في إعادة إنتاج نفس المشهد، عبر منح الثقة لمن لم يحققوا نتائج تذكر، إما بفعل الحاجة أو غياب البديل المقنع. وهكذا تستمر الحلقة المفرغة: وعود انتخابية، ثم خيبة أمل، ثم عودة الوجوه نفسها بوسائل مختلفة.

إن جهة درعة تافيلالت، بما تزخر به من مؤهلات طبيعية وثقافية وبشرية، تستحق نخبا سياسية جديدة تؤمن بالكفاءة والنزاهة والعمل الميداني، وتستحق أحزابا حقيقية تعيد الاعتبار للتأطير السياسي وتفتح أبوابها للشباب والكفاءات. أما استمرار الوضع الحالي، فلن يعني سوى مزيد من العزوف وإهدار فرص التنمية، في جهة تحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى رجال ونساء مرحلة، لا إلى تجار مواسم انتخابية.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button