
الأستاذ أغزاف يكتب حول قرار المحكمة الدستورية بشأن ” قانون المحاماة”
رشيد أغزاف *
أصدرت المحكمة الدستورية عدد 277/26 قرارها بشأن القانون 66.23، المتعلق بتنظيم مهنة المحاماة، بتاريخ 10 غشت 2026 الذي صرحت من خلاله بـ “تعذر البت في الإحالة” بسبب خلل في ملف الإحالة وبالتالي عدم استيفاء الوثائق والشروط التي تمكن المحكمة من ممارسة رقابتها الدستورية.
ما معنى “تعذر البت” وما هو أثره القانوني:
لابد أن نعلم أن هناك فرق جوهري بين ثلاثة أمور بشأن قرارات المحكمة الدستورية المتعلقة بالرقابة القبلية على دستورية القوانين:
– أولا إما أن تصرح بدستورية القانون وتتحقق ذلك في الحالة التي تفحص فيه المحكمة القانون وتجده مطابقا للدستور.
– ثانيا: وإما أن تصرح بعدم دستورية مقتضيات منه وذلك في الحالة التي تفحص فيها المحكمة القانون وتجده أو تجد مقتضيات منه مخالفة للدستور وهنا يثار نقاش بشأن هذه الحالة.
– ثالثا أن تصرح المحكمة بتعذر البت وهذه الحالة، المحكمة لم تدخل أصلا في تقييم دستورية مضمون القانون بسبب مانع إجرائي أو شكلي حال دون ممارسة رقابتها.
وهذه الحالة الثالثة هي التي وقعت بالنسبة للقانون 66.23.
بمعنى:
أن المحكمة الدستورية لم تقل: بأن القانون دستوري كما أنها لم تقل: أن القانون غير دستوري. بل قالت عمليا: لا أستطيع أن أفصل في دستوريته بناء على الإحالة كما تمت إحالته.
وهنا نطرح السؤال المحوري وهو هل يصبح القانون نافذا بعد هذا القرار؟
الإحالة إلى المحكمة الدستورية كانت في إطار الرقابة السابقة على دستورية القانون، قبل إصداره الأمر بتنفيذه. وقد تمت إحالة مشروع القانون 66.23 إلى المحكمة من طرف رئيس مجلس النواب بعد انتهاء المسطرة التشريعية أي بعد مروره من البرلمان بغرفتيه وبما أن المحكمة الدستورية لم تصدر قرارا بعدم دستورية أي مقتضى، فإن قرار “تعذر البت” لا يسقط القانون كما أنه لا يلغي المسار التشريعي الذي قطعه.
وهنا يجب التمييز بين أمرين:
– قرار المحكمة الدستورية لا يمنح القانون شهادة بدستورية القانون 66.23.
– وفي مستوى ثان لا يجعله باطلا أو غير موجود قانونا.
ولذلك وفي اعتقادي أن الآثار العملية لقرار المحكمة الدستورية موضوع المناقشة تتحدد في أن الملف يعود إلى المسار الدستوري العادي، بمعنى أن إمكانية استكمال إجراءات إصدار القانون وتنفيذه تبقى قائمة، بحسب ما ستتخذه السلطة المختصة بعد قرار المحكمة وذلك بعد تبليغه إلى رئيس الحكومة ورئيسي مجلسي البرلمان ونشره بالجريدة الرسمية؟
وهذا ليس معناه أن المحكمة الدستورية أمرت بإصدار القانون.
لأن تبليغ القرار ونشره هما من الآثار الرسمية لقرارات المحكمة الدستورية.
فالمحكمة أنهت نظرها في الإحالة الموجودة أمامها بقرار “تعذر البت”، وأمرت بإيصال القرار إلى الجهات المعنية ونشره.
وهذا النشر يجعل القرار قرارا قضائيا دستوريا رسميا ومعلنا، لكنه لا يحول “تعذر البت” إلى حكم بدستورية القانون.
والأهم سياسيا وقانونيا أعتقد أن الخطأ الذي يمكن أن يقع فيه البعض هو القول: “المحكمة الدستورية رفضت الطعن، إذن قانون المحاماة أصبح دستوريا.”
هذا غير دقيق قانونا.
الأصح هو: المحكمة الدستورية لم تفصل في دستورية القانون 66.23 أصلا، وإنما تعذر عليها البت في الإحالة بسبب عدم استيفاء ملف الإحالة للشروط والوثائق القانونية اللازمة.
وبالتالي فالمحكمة الدستورية كما أسلفت لم تخض في الانتقادات الدستورية الموجهة إلى مواد القانون وبالتالي لم تحسم فيها المحكمة، وهذه نقطة مهمة جدا لفهم قرار المحكمة الدستورية موضوع المناقشة لأن المحكمة لم تقل مثلا إن المادة 35 أو غيرها من مواد القانون مطابقة للدستور أو غير مطابقة له.
من هنا نخلص إلى أن قرار “تعذر البت” ليس حكما بدستورية قانون المحاماة، وإنما قرار إجرائي أنهى الإحالة في شكلها الحالي دون فحص مضمون القانون، ولذلك لا يمكن الاستناد إليه للقول إن المحكمة الدستورية أقرت دستورية القانون 66.23 أو عدم دستوريته.
يبقى السؤال الذي لا يقل أهمية بحكم الجدل الكبير الذي أثارته المسطرة التشريعية لمشروع القانون 26.23 وما واكبه من تشنج واضح بين هيئة الدفاع وبين وزارة العدل والذي ترتب عنه إعلان المحامين توقفهم الشامل عن تقديم خدماتهم المهنية وخوضهم أشكال احتجاجية تصعيدية، فهل سيستمر نضال المحامين ويستمر توقفهم الشامل.
الجواب عن هذا السؤال يعطي تكهنا يفيد باستمرار جميع الاشكال الاحتجاجية التي يخوضها المحامون على اعتبار أن السقف المحدد لهذه الاشكال الاحتجاجية هو سحب القانون أو تجميده إلى حين إعادة مناقشته وفق مقاربة تشاركية وفق ما ينص عليه الفصل الاول من الدستور بما سيمكن من فتح حوار بين الحكومة والمهنيين للتوصل إلى إلى قانون متوافق يضمن استقلال مهنة المحاماة وحريتها وتنظيمها الذاتي.
(*) محام بهيئة المحامين بمراكش ورزازات



