
” من الوجود المادي إلى الكينونة الرمزية: شرف الأنثى ك روح للضمير الجمعي في القبائل المرغادية”.
أسماء صابري *
ـ”أعــرينو لابــاس أور حشــيمغ لابــاس”
تختزن العبارة السابقة أحاسيساً من الفرح العارم، وقيمة رمزية. قد تبدو للوهلة الأولى مجرد مقطع غنائي عابر وبسيط من كلمات أحيدوس المعروفة؛ غير أن الانغماس وسط محيطها، والقرب من ضجة العائلة يكشفان بجلاء أن لهذه الكلمات معنى أعمق مما هو ظاهر، ودلالة يمنحها الضمير الجمعي.
منذ نعومة أظافري وأنا أتردد على الأعراس الأمازيغية، خاصة في منطقتي الصغيرة التي تقبع في جهة درعة تافيلالت ـ وبالضبط البلدة القروية امسمرير. ويشكل أحيدوس بالنسبة لقبائل أيت مرغاد واحداً من الثقافات المتجذرة والمعروفة، إنه فن، وفيه تلتقي الفنون الأخرى كالزي التقليدي نموذجاً. يعتبر أحيدوس في القبائل الأمازيغية تراثاً لا مادياً، فيه يجتمع أفراد المجتمع ليشكلوا معاً لحظة من الفرح العارم.
لقد كان منذ الأزل أحيدوس مظهرا من المظاهر الثقافية المأخوذة من عمق التاريخ، ثم ما لبست أن توسعت تلك الدائرة لتشمل الأجيال الحالية. إنه إذن بمثابة العمود الفقري الهوية الأمازيغية، فيه يعبر المجتمع عن أفكاره بمقاطع غنائية ترددها أصوات الشباب والفتيات، وعبرها تمرر القلوب الولاعة بالحب حبها، وتروي الأفئدة شقاوة الأيام والحياة، وأمثلة المقاطع كثيرة لا حدود لها، دون أن نسى متمنيات الجميع بالفرح والسعادة العروسة “تيسليت” و العريس ” إسلي”. لكن قبائل أيت مرغاد، تتجاوز المحدود، فهي تشكل منظومة ثقافية أخرى عبر الثقافة الشفوية الأمازيغية، لتصبح ذاكرة حية تحفظها عقول افراد المجتمع.
من هذا المنطلق تسبح العقول من الوجود إلى الكينونة، ليغدو الجسد لبنة بناء الضمير الجمعي، وتتحول العذرية من قصة شرف إلى قضية وازنة تنمو في إطار الهابتوس بتعبير بورديو، وتتشكل عبر آليات التنشئة الاجتماعية.
إنها اللحظة الحاسمة في العرس المرغادي، فيها تمتزج المشاعر، بين من يرقص فرحاً باللحظة، وبين أم ينبض قلبها خوفا من المجهول؛ لأن شرف الأنثى ليلتها لا يقف في حدودها بل يتصل بالعائلة أكملها؛ ليتحول إلى شرف العائلة.
تشكلت منذ الأزل في عقول قبائلنا تمثلات وأفكار نمطية حول الأنثى. فقد نُسج من خيوط العذرية نسق رمزي، فأصبح معياراً اجتماعياً للتقويم، يحظى بمكانة وقيمة اجتماعية عليا.
إنه يقف على حافة الوصم الاجتماعي. يخيل إليك في لحظة ما أنه مرسوم على جبهة العائلة؛ فإما أن تكون النتيجة لصالحها، أو أن يؤدي ذلك إلى وصم اجتماعي يشمل العائلة كلها. ذلك أن العذرية شرط ليحظى الفرد بالقبول داخل المجتمع، أو بالأحرى لاندماج العائلة. وقد يؤدي غيابها إلى إقصاء اجتماعي، ينظر فيه الأفراد إلى العائلة نظرة دونية، ويتلقون خلالها عنفاً رمزياً عبر الخطابات الشفوية المتناثرة بين الأفراد.
من الجلي أن الظاهرة تندرج ضمن منطق النظام الأبوي؛ حيث تغلب سلطة الذكر، وتتكمش الأنثى في خوف لاذع، في انتظار حاسم لتزيين صورتها أمام الملأ. إنه الشرف حينما يتحول إلى رأسمال رمزي للأسرة.
وهكذا، تحولت القضية من جسد إلى قيمة، وانقلبت من تهديد محتمل بالفوضى ووقوع حالة من الأنومي داخل المجتمع إلى قيمة اجتماعية مركزية.
(*) خريجة المدرسة العليا للأساتذة تخصص الفلسفة.



