أقلام و آراءالواجهة

تغزوت نأيت عطا: حادث معزول أم مرآة لاختلالات أعمق؟

ذ نور الدين سموح *

شهدت جماعة تغزوت بإقليم تنغير مؤخرا حدثا انسانيا بامتياز، تمثل في تنظيم قافلة طبية من طرف جمعية “تتغير للهجرة والتنمية”، وهي مبادرة لقيت استحسانا كبيرا من طرف المستفيدين من القافلة لما حملته من معاني التضامن والتكافل وخدمة المصلحة العامة، خصوصا في منطقة تعرف خصوصا كبيرا في الخدمات الصحية الأساسية. غير أن هذه اللحظة التي يفترض أن تسودها القيم الإنسانية النبيلة شابها سلوك غير مقبول من طرف أحد رجال السلطة، جرى توثيقه بمقطع فيديو تم تداوله على نطاق واسع في وسائط التواصل الاجتماعي، وأثار موجة من الغضب والاستياء الشعبي.

السلوك الذي بدر عن رجل السلطة المعني، بما تضمنه من فظاظة وتحقير، فلا يمكن عزله عن الإشكالات البنيوية التي ما تزال تميز العلاقة بين الإدارة والمواطن في عدد من المناطق الهشة والمهمشة التي تنعدم فيها العدالة المجالية . كما أن هذا السلوك لا ينسجم مع التوجهات العليا للدولة المغربية، ولا مع المفهوم الجديد للسلطة كما سبق وان اكد عليه جلالة الملك محمد السادس نصره الله في اكثر من مناسبة ، والذي دعا مرارا وتكرارا إلى اعتماد سياسة القرب، والإنصات للمواطن، وجعل الإدارة في خدمة المواطن، لا العكس.

فمن الناحية الدستورية، تمثل الواقعة مساسا صريحا بكرامة المواطن، التي يقرها الفصل 22 من الدستور المغربي والذي يحظر المساس بالسلامة الجسدية والمعنوية لأي شخص، والفصل 31 منه والذي يضمن الحق في الولوج إلى الخدمات الصحية، ثم الفصل 154 الذي يلزم الإدارة العمومية باحترام مبادئ الجودة والمساواة والشفافية. ومن منظور القانون الدولي لحقوق الإنسان، فإن السلوك الموثق يناقض مقتضيات العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، خصوصا المادة 7 والتي تحظر أي معاملة مهينة أو لا إنسانية، وكذلك المادة 26 والتي تكرس مبدأ المساواة أمام القانون وعدم التمييز.

إن الأمر وان تعلق في اعتقادنا بخطأ فردي و تجاوز عابر ومعزول ، فإنه يبقى سلوكا يحمل دلالات عميقة ترتبط بعقلية سلطوية لم يعد لها مكان في دولة الحق والقانون مما يجعل من الواقعة اختبارا حقيقيا لمدى التزام السلطات العمومية، وعلى رأسها وزارة الداخلية، بتفعيل مقتضيات الدستور، وتجسيد الالتزامات الحقوقية للمغرب على أرض الواقع، فالمحاسبة الإدارية والتأديبية في مثل هذه الحالات لا ينبغي أن تفهم فقط كإجراء عقابي، بل كرسالة ذات بعد سياسي وأخلاقي سياسية مفادها أن كرامة المواطن فوق كل اعتبار، وأن السلطة وجدت لخدمة المواطن، لا لإذلاله.

إن المطلوب اليوم ليس فقط تقديم توضيحات أو اعتذارات شكلية او انزال عقوبة ، بل يجب ترتيب الآثار القانونية المناسبة لارجاع الأمور لنصابها ، عبر تعزيز التكوين في مجال حقوق الإنسان لفائدة رجال السلطة، وتثمين المبادرات المدنية والتطوعية التي تسد جزءا من الخصاص التنموي في عدد من المناطق بدلا من عرقلتها ، لأن تكريس ثقة المواطن في مؤسسات بلاده يمر اولا عبر احترامه، والإنصات لهمومه، وضمان حمايته من كل أشكال الإهانة والحيف والتمييز.

فما وقع في تغزوت اكيد انه حدث معزول لكن لا يجب ان يمر هكذا ، لأن كرامة المواطن ليست شأنا بسيطا ، بل هي أساس التعاقد الاجتماعي الجديد الذي تنشده بلادنا، ومفتاح بناء الثقة، وترسيخ دولة المؤسسات، والعدالة الاجتماعية والمجالية التي نطمح إليها جميعا.

* محام بهيئة الدار البيضاء

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button