المجتمعالواجهة

الأطباء البرلمانيون: كفاءات علمية تواجه إكراهات السياسة والانضباط الحزبي

نبارك أمرو *

في سياق تتزايد فيه التحديات التي تواجه المنظومة الصحية بالمغرب، من خصاص الموارد البشرية وتفاوت الولوج إلى العلاج، إلى إشكالات الحكامة وجودة الخدمات، يبرز داخل المؤسسة التشريعية حضور فئة مهنية لافتة تتمثل في الأطباء البرلمانيين. هؤلاء الذين انتقلوا من “الوزرة البيضاء” إلى قبة البرلمان، يجمعون بين خبرة ميدانية يومية مع المرضى، ومسؤولية صياغة القوانين وتوجيه السياسات العمومية.
يرصد هذا الملف مسار الانتقال من الممارسة الطبية إلى الفعل التشريعي داخل مجلس النواب، متسائلاً عن مدى تأثير الخلفية الطبية في تحسين جودة النقاش البرلماني وإغناء صناعة القرار الصحي، في ظل تعقد المنظومة وتداخل الاعتبارات التقنية والسياسية.

كما يتوقف عند أدوار الأطباء البرلمانيين داخل اللجان الدائمة، خاصة لجنة القطاعات الاجتماعية، من خلال تتبع تدخلاتهم المرتبطة بإصلاح المستشفيات، والسيادة الدوائية، وتوزيع الموارد الصحية، إضافة إلى مساءلة الحكومة حول اختلالات العرض الصحي.

في المقابل، يطرح الملف إشكالية مركزية تتعلق باستقلالية الطبيب البرلماني داخل الفضاء السياسي: هل ينجح في نقل خبرته الطبية إلى النقاش التشريعي بشكل تقني وموضوعي، أم أن الانضباط الحزبي والتوازنات السياسية يعيدان تشكيل مواقفه داخل البرلمان بما يحد من أثره المهني؟

ومن خلال شهادات وتحليل تجارب برلمانيين أطباء، يحاول هذا الملف تفكيك العلاقة بين المعرفة الطبية وصناعة القرار السياسي، وتقييم ما إذا كان هذا الحضور يشكل إضافة نوعية فعلية للسياسات الصحية، أم يظل حضوراً رمزياً أكثر منه تأثيراً مباشراً.

في سياق مواكب لهذا التحول، أُطلق ورش إصلاح المنظومة الصحية بالمغرب بتوجيهات ملكية سامية من الملك محمد السادس، باعتباره أحد أكبر الإصلاحات الهيكلية في إطار مشروع الدولة الاجتماعية خلال الولاية التشريعية 2021–2026. ويرتكز هذا الورش على منظومة قانونية مهمة تضم أكثر من 10 نصوص تشريعية ومراسيم، في مقدمتها القانون-الإطار 06.22، ويهدف إلى إعادة بناء النظام الصحي على أسس الحكامة والنجاعة والإنصاف.

وقد مكّن هذا الإصلاح من توسيع التغطية الصحية بشكل غير مسبوق، عبر إدماج أكثر من 22 مليون مستفيد جديد في نظام التأمين الإجباري عن المرض، لترتفع نسبة التغطية إلى حوالي 90% من السكان. كما يستهدف تأهيل أكثر من 100 ألف مهني صحي، في ظل خصاص يناهز 30 ألف إطار، بمعدل لا يتجاوز 7 أطباء لكل 10 آلاف نسمة، ما استدعى اعتماد إصلاحات هيكلية على مستوى التكوين والتحفيز والوظيفة الصحية.

وعلى مستوى البنيات التحتية، يشمل الورش برامج واسعة لبناء وتأهيل المستشفيات الجامعية والإقليمية وتحديث التجهيزات الطبية، بهدف تقليص الفوارق المجالية وتحسين جودة الخدمات. كما تم إحداث الهيئة العليا للصحة ومجموعات الصحة الترابية، في خطوة تروم إرساء حكامة جديدة قائمة على الجهوية والتدبير المندمج. ورغم هذا الزخم، لا تزال نسبة تنزيل النصوص التطبيقية لا تتجاوز 50%، ما يجعل رهان المرحلة مرتبطاً بسرعة التنفيذ وفعالية الأثر على المواطن.

في المجمل، يعكس هذا الورش انتقال المغرب نحو نموذج صحي جديد يقوم على العدالة الاجتماعية والنجاعة، وهو سياق يضع عمل الأطباء البرلمانيين أمام اختبار مزدوج: نقل الخبرة المهنية إلى التشريع، والمساهمة في إنجاح إصلاح وطني واسع النطاق.

وفي تصريحات ل”الواحة بوست”، اعتبر نواب من الأغلبية والمعارضة بمجلس النواب أن الكفاءة الطبية داخل المؤسسة التشريعية تمثل قيمة مضافة تعزز جودة النقاش وصياغة القوانين الصحية، من خلال ربط النصوص القانونية بالإكراهات الواقعية التي يعيشها المواطن والمهني داخل المنظومة الصحية، وتجويد الفهم التقني للمصطلحات. كما شددوا على أن هذا الدور يظل مؤطراً بالعمل الجماعي والتوازنات السياسية والانضباط الحزبي، دون أن يلغي ذلك الأثر الإيجابي للخبرة الطبية في تحسين جودة التشريع.

أتركين: الكفاءة الطبية تعزز جودة التشريع رغم الانضباط الحزبي

ورداً على سؤال “الواحة بوست” بشأن أهمية أدوار الأطر الطبية والصحية أعضاء مجلس النواب، قالت النائبة حنان وتركين، عضو فريق حزب الأصالة والمعاصرة والطبيبة الاختصاصية في أمراض الجلد، إن حضور كفاءات ذات خلفية طبية داخل المؤسسة التشريعية يشكل قيمة مضافة حقيقية، خاصة داخل اللجن المختصة.

وأكدت السيدة النائبة أنه، من خلال التجربة خلال الولاية التشريعية الجارية، يساهم الطبيب البرلماني في إغناء النقاش عبر توضيح المصطلحات العلمية والطبية، وتصحيح بعض المعطيات، وربط النصوص القانونية بالواقع الميداني الذي يعيشه المواطن داخل المنظومة الصحية، وهو ما ينعكس إيجاباً على جودة التشريع، اعتباراً لكون القوانين الصحية تتطلب فهماً دقيقاً للإكراهات العملية والتحديات التقنية.

وأشارت إلى أن التميز التقني والمعرفي للطبيب البرلماني يمنحه قدرة أكبر على الإقناع والتأثير، خاصة في القضايا الصحية والاجتماعية المعقدة، غير أن العمل البرلماني يظل عملاً مؤسساتياً جماعياً تحكمه آليات التصويت والتوازنات السياسية داخل الأغلبية والمعارضة، ما يجعل الكفاءة العلمية عاملاً داعماً داخل إطار سياسي محدد.

وأضافت أتركين أن الطبيب البرلماني يستطيع توظيف خبرته العلمية من خلال المداخلات واقتراح التعديلات وتقديم قراءات واقعية للنصوص القانونية، مبرزة أن هذه الخبرة، رغم خضوعها لمنطق العمل الجماعي والانضباط الحزبي، تظل عنصراً مؤثراً في توجيه النقاش نحو حلول أكثر واقعية وفعالية، خدمةً للمواطن وتحسيناً لجودة السياسات العمومية.
يشار إلى أن الدكتورة وتركين تُعد من الوجوه البرلمانية التي تجمع بين التكوين الطبي والممارسة التشريعية، حيث تنخرط في النقاشات المرتبطة بالسياسات الصحية العمومية، مع اهتمام خاص بقضايا السيادة الدوائية وتجويد المنظومة الصحية.

الدكتورة باتا: الخلفية الطبية تربط القانون بإكراهات المنظومة الصحية الواقعية

وتعليقا على سؤال حول مدى مساهمة الخلفية الطبية في تحسين جودة النقاشات داخل اللجن التشريعية، قالت النائبة المعارضة فاطمة الزهراء باتا، عضو المجموعة النيابية للعدالة والتنمية والطبيبة الاختصاصية في أمراض الكلى، إن التجربة البرلمانية الحالية تؤكد أن التكوين الطبي للنائب يضيف قيمة نوعية للعمل التشريعي، خاصة داخل اللجن المختصة.

وأوضحت السيدة النائبة في تصريح لـ”الواحة بوست” أن الخلفية الطبية تتيح للبرلماني دقة أكبر في استعمال المصطلحات العلمية والقانونية، بما يحد من الغموض الذي قد يطال بعض النصوص التشريعية المرتبطة بالقطاع الصحي، مضيفة أن الطبيب البرلماني يتمكن بحكم خبرته الميدانية من ربط النص القانوني بالإكراهات الواقعية التي يعيشها المواطن والمهني داخل المنظومة الصحية.

وشددت المتحدثة على أن هذه الخبرة تساهم كذلك في استباق صعوبات التطبيق وتقديم مقترحات أكثر واقعية وقابلة للتنفيذ، معتبرة أن ذلك ينعكس إيجابا على جودة النقاش التشريعي وفعاليته داخل اللجن البرلمانية.

وفيما يتعلق بمدى تأثير التميز التقني للطبيب البرلماني في صناعة القرار، تساءلت النائبة باتا عن حدود هذا التأثير في ظل التوازنات السياسية، مؤكدة أن العمل التشريعي يظل في جوهره عملية سياسية تخضع لتوافقات وحسابات متعددة، رغم أهمية الكفاءة العلمية.

وأضافت أن “الخبرة الطبية تمنح قوة اقتراحية ومصداقية داخل النقاش، لكنها تظل مندمجة ضمن منطق جماعي تحكمه التوجهات الحزبية والتوازنات السياسية”، مشيرة إلى أن “النجاح الحقيقي للطبيب البرلماني يكمن في قدرته على توظيف معارفه العلمية داخل هذا الإطار دون إغفال مقتضيات الانضباط الحزبي”.

وفي ما يخص العلاقة بين الخبرة العلمية والانضباط الحزبي، أوضحت الدكتورة باتا أن الطبيب البرلماني قد يوفق بين قناعاته العلمية وتوجهات فريقه، معتبرة أن الانضباط قد يحد من بعض المواقف الفردية لكنه لا يلغي النقاش الداخلي أو المساهمة العلمية.

وختمت بالقول إن “الرأي حر، لكن القرار ملزم”، وهو مبدأ يلخص، حسب تعبيرها، طبيعة العمل داخل المؤسسات التمثيلية.

الدكتور وملال: الأطباء البرلمانيون قوة اقتراحية لتطوير المنظومة الصحية الوطنية

وتعليقا على هذا الموضوع أكد الدكتور جمال وملال، الاختصاصي في جراحة الدماغ والأعصاب بمستشفى مولاي يوسف بالرباط، على الدور المتميز الذي يساهم من خلاله الأطباء والصيادلة والأطر الصحية أعضاء مجلسي البرلمان، في تجويد القوانين المرتبطة بالمنظومة الصحية، التي تعرف تطورا كبيرا بفضل السياسة الملكية الحكيمة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله.

وأشار وملال، في تصريح لـ”الواحة بوست”، إلى أن الإصلاح الذي تعرفه المنظومة الصحية حاليا، عبر تنزيل المشروع الملكي للمجموعات الصحية الترابية، يشكل نموذجا غير مسبوق في تطوير الخدمات الصحية وتحقيق العدالة في الولوج إلى العلاج، إضافة إلى تعزيز الحكامة من خلال إحداث 12 مجموعة صحية ترابية تتمتع بالاستقلال المالي والإداري، يدبر شؤونها مدير عام معين بظهير شريف، إلى جانب مجلس إداري يسهر على حسن التدبيرين الإداري والمالي.

وأوضح عضو المجلس الوطني لحزب الحركة الشعبية أن هذا النموذج الصحي الترابي الجهوي يكرس مبدأ ربط المردودية بالتحفيز، حيث إن من يشتغل أكثر يستفيد من تعويضات وتحفيزات أكبر، وذلك في إطار تشجيع الموارد البشرية والحد من بعض مظاهر الإخلال بالواجب المهني لدى بعض الأطر الطبية والصحية، فضلا عن الاستجابة لخصوصيات وحاجيات كل جهة على حدة.

وأضاف الدكتور جمال وملال أن الأطباء والصيادلة والأطر الصحية المنتخبين داخل مجلسي البرلمان يضطلعون بدور مهم في تجويد صناعة القوانين، من خلال مساهماتهم داخل اللجن التشريعية وترافعهم المستمر دفاعا عن العدالة في تقديم الخدمات الصحية للمواطنات والمواطنين، بما يواكب الإصلاحات الكبرى التي تعرفها المنظومة الصحية الوطنية.

أسئلة بلا جواب داخل البرلمان

وفي إطار هذا الملف الذي يسلط الضوء على شريحة لا تحظى غالباً باهتمام عدسات الإعلام، حاولت “الواحة بوست”، باعتبارها منبراً إعلامياً معتمداً بمجلسي البرلمان، استقصاء رأي رئاسة مجلس النواب بشأن الأدوار التي تضطلع بها الأطر الطبية والصحية في صناعة التشريع ببلادنا.
وفي هذا السياق، وجهت الجريدة طلبين عبر البريد الإلكتروني، أحدهما إلى قسم التواصل والآخر إلى ديوان السيد رئيس مجلس النواب، إلى جانب طلب مكتوب تم وضعه بمكتب الضبط، الموجه إلى الكتابة العامة للمجلس، قصد الحصول على معطيات تهم عدد وأسماء أعضاء المجلس المنتمين إلى قطاع الصحة. كما تقدمت الجريدة بطلب إجراء تصريح مع أحد رؤساء اللجن التشريعية الذي يحمل صفة دكتور في قطاع الصحة.
غير أن مختلف هذه الطلبات، وعددها أربعة، لم تلق أي تفاعل أو اهتمام يُذكر إلى حدود نشر هذه المادة، في مشهد يطرح أكثر من سؤال حول التواصل المؤسساتي والانفتاح على المبادرات الإعلامية الجادة.

(*) صحافي معتمد بمجلسي البرلمان

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button