
نبارك أمرو *
تعيش سلسلة الورد العطري بقلعة مكونة مرحلة دقيقة من تاريخها، في ظل محاولات متجددة لإعادة تموقعها داخل الأسواق الدولية عبر استقطاب شركاء أجانب متخصصين في صناعة العطور والمنتجات الطبيعية. وقد شكلت الدورة الأخيرة للملتقى الدولي للورد العطري مناسبة لإعلان مجموعة من الشراكات والاتفاقيات التي يراهن عليها المهنيون لإعطاء نفس جديد للقطاع الذي يعد أحد أبرز المنتجات المجالية بالمغرب.
وحسب مصادر متطابقة، فإن الفدرالية البيمهنية المغربية للورد العطري تسعى إلى استثمار هذه الدينامية الدولية من أجل تجاوز سنوات من الجمود المؤسساتي الذي أثر على أدائها وعلى قدرتها في قيادة مشاريع التنمية والتثمين المرتبطة بالسلسلة الإنتاجية للورد العطري. وترى المصادر أن المرحلة الحالية تفرض على الفدرالية الانتقال من منطق التدبير المناسباتي إلى منطق التخطيط الاستراتيجي القادر على تحويل الشراكات إلى مشاريع ملموسة.
ورغم المجهودات المبذولة من طرف مختلف الشركاء العموميين، فإن العديد من الفاعلين المهنيين يعتبرون أن حصيلة السنوات الماضية لم ترق إلى مستوى الإمكانيات المتاحة. فبرامج الدعم وعقد البرنامج الموقع مع الحكومة كان من المفترض أن يشكلا رافعة حقيقية لتأهيل القطاع، غير أن وتيرة الإنجاز ظلت دون التطلعات، ما فتح الباب أمام تساؤلات متكررة حول أسباب تعثر عدد من المشاريع المبرمجة.
وتؤكد مصادر “الواحة بوست” أن جزءاً من الإشكال يرتبط بضعف البنية التنظيمية والإدارية للفدرالية، وعدم توفرها على جهاز مهني متخصص في تدبير المشاريع واستقطاب التمويلات وبناء الشراكات الاقتصادية. ففي عالم أصبحت فيه المنافسة قائمة على الابتكار والتسويق والاحترافية، لم يعد التدبير التقليدي قادراً على مواكبة التحولات المتسارعة التي يعرفها قطاع العطور والمنتجات الطبيعية.
وفي الوقت ذاته، تتساءل فعاليات محلية ومهنية عن الموقع الحقيقي للفدرالية داخل منظومة تدبير وتطوير القطاع، خاصة وأن الملتقى الدولي للورد العطري، الذي يعد من أقدم التظاهرات الاقتصادية والتراثية بالمملكة، لا يزال ينظم من طرف جمعية محلية تحظى بدعم مختلف المؤسسات الشريكة، وهو ما يثير نقاشاً متواصلاً حول الأدوار المنتظرة من الفدرالية باعتبارها الإطار المهني الجامع للمنتجين والتعاونيات والفاعلين الاقتصاديين.
كما تتجدد خلال كل دورة من دورات الملتقى انتقادات مرتبطة بالحكامة والشفافية وطرق صرف الاعتمادات المالية المرصودة للتظاهرة. ويرى متابعون أن النقاش لم يعد يتعلق فقط بحجم الميزانيات التي تخصص سنوياً، بل بمدى انعكاسها على التنمية المحلية، وعلى تحسين أوضاع المنتجين والتعاونيات، وعلى تعزيز حضور الورد العطري المغربي في الأسواق الوطنية والدولية.
ويلخص عدد من المراقبين واقع القطاع في وجود فجوة بين حجم المجهودات التي تبذلها الدولة من خلال وزارة الفلاحة ووزارة الداخلية وباقي الشركاء المؤسساتيين، وبين النتائج المحققة على أرض الواقع. فالدعم العمومي ظل متواصلاً على امتداد سنوات، غير أن عدداً من المشاريع لم ينجح في تحقيق الأثر المنتظر بسبب ما يصفه هؤلاء باستمرار بعض أساليب التدبير التقليدية والحسابات الضيقة التي تعيق بلورة رؤية تنموية موحدة للقطاع.
ويعتبر هؤلاء أن الرهان الأساسي اليوم يتمثل في تجاوز الخلافات المحلية والتوازنات الظرفية، والعمل على بناء نموذج جديد للحكامة يرتكز على الكفاءة والاحترافية وربط المسؤولية بالمحاسبة. كما يدعون إلى إسناد مهام التسيير والتدبير إلى كفاءات قادرة على مواكبة التحولات التي يشهدها سوق العطور العالمي، واستثمار الفرص التي تتيحها الشراكات الدولية الجديدة.
وفي المقابل، تتيح الاتفاقيات التي تم توقيعها مع مؤسسات أوروبية متخصصة فرصاً واعدة لتطوير المختبرات وتعزيز التكوين المهني ونقل التكنولوجيا الحديثة وفتح قنوات جديدة للتسويق والتصدير. كما يمكن لهذه الشراكات أن تساعد على تثمين المنتوج المحلي وتحويله من مادة أولية إلى منتجات ذات قيمة مضافة عالية قادرة على المنافسة داخل الأسواق العالمية.
وفي ظل هذه المعطيات، يجد قطاع الورد العطري نفسه أمام منعطف حاسم. فإما أن تنجح مختلف الأطراف في تحويل الشراكات الدولية والدعم العمومي إلى مشاريع تنموية حقيقية تعود بالنفع على الساكنة والمنتجين، وإما أن تستمر الأسئلة نفسها في التكرار خلال كل دورة من دورات الملتقى. وبين هذا وذاك، يبقى الأمل معقوداً على إرساء حكامة حديثة تجعل من قلعة مكونة قطباً دولياً لصناعة الورد العطري، وتمنح هذا المنتوج الترابي المكانة التي يستحقها على خريطة الاقتصاد الوطني والعالمي.
(*) صحافي مهني -باحث في قضايا التنمية المستدامة



