
حماية الأفراد من التشهير قبل صدور الحكم القضائي: إطار قانوني دولي ووطني
ذ. نورالدين سموح *
يعد التشهير قبل صدور حكم قضائي من أبرز الانتهاكات التي تهدد كرامة الإنسان وحقوقه الأساسية والحاطة بكرامته وذلك لما له من آثار سلبية على الفرد نفسيا واجتماعيا ومهنيا ، بل ويؤثر ايضا على نزاهة المساطر القضائية وحق للمواطن في محاكمة عادلة .
ولهذا وضع القانون الدولي والقانون المغربي إطارا قانونيا لحماية الأفراد من هذه الممارسات، مع التوفيق بين حرية التعبير الذي يكفله الدستور والمواثيق الدولية . فعلى المستوى الدولي، تكفل المادة 19 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الحق في حرية الرأي والتعبير، بما في ذلك حرية التمسك بالرأي ونقل المعلومات، إلا انها أكدت في نفس الوقت على أن هذه الحرية ليست مطلقة. كما ينص العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 19، في الفقرة الثالثة منه ، على إمكانية فرض قيود على حرية التعبير عندما تكون منصوصا عليها قانونا لضرورة احترام حقوق الآخرين أو سمعتهم أو حماية الأمن القومي أو النظام العام أو الصحة أو الأخلاق العامة. كما تكفل المادة 17 من العهد ذاته حماية الأفراد من أي اعتداء على شرفهم أو سمعتهم ، اما وعلى المستوى الإقليمي، تنص المادة 9 من ميثاق حقوق الإنسان والشعوب الإفريقي على حماية كل فرد من أي انتهاك لكرامته أو سمعته. و من هذا المنظور، فان التشهير قبل صدور حكم قضائي يعتبر وبالضرورة خرقا مباشرا للمعايير الدولية، ويشكل تهديدا لمبدأ المحاكمة العدالة.
اما في المغرب، فيكفل الدستور المغربي لسنة 2011، من خلال المواد 27 و28، حماية الكرامة الإنسانية وحقوق الإنسان، ويؤكد على أن حرية التعبير مكفولة بشرط ان لا تخل بكل ما ارتبط بحقوق الآخرين أو بالنظام العام. كما ينظم القانون الجنائي المغربي من خلال مقتضيات المواد 445 و446 و447 القذف والتشهير، سواء عبر الإعلام التقليدي أو الإلكتروني، وحدد العقوبات الزجرية والغرامات المالية ، حيث تنص المادة 445 على أن القذف العلني يعاقب بالحبس من شهر إلى سنة وبغرامة مالية تتراوح بين 200 و5000 درهم كما تنص المادة 446 على أن القذف الموجه ضد موظف عام أو شخص بمناسبة عمله يعاقب بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة وبغرامة تتراوح بين 200 و5000 درهم. وتحدد المادة 447 عقوبة القذف عن طريق الصحف أو أي وسيلة إعلامية بالحبس من سنة إلى سنتين وغرامة من 500 إلى 10,000 درهم وتمنح هذه المواد القانونية للنيابة العامة الحق في المتابعة من تلقاء نفسها، حتى قبل تقديم أي شكوى من الضحية، مما يمثل آلية وقائية لحماية الحق العام وحقوق الأفراد.
إضافة إلى ذلك، ينظم قانون الصحافة والنشر تحت عدد 88-13 المعدل بالقانون رقم 47-18 مسؤولية وسائل الإعلام، ويقر بحق الأفراد في اللجوء للدفاع عن سمعتهم أمام القضاء، وحدد آليات الرقابة والتصحيح، بشكل يضمن منع نشر الأخبار الكاذبة أو المسيئة قبل صدور الحكم القضائي وهو ما سبق وأكدته محكمة النقض المغربية في عدة أحكام تتعلق بمسؤولية الصحف ووسائل الإعلام عن الأضرار الناتجة عن التشهير المبكر، معتبرة أن حماية السمعة الشخصية جزء لا يتجزأ من الحق في محاكمة عادلة.
و تلعب النيابة العامة دورا مركزيا في هذا الإطار الوقائي، إذ يمكنها فتح تحقيقات مباشرة ومتابعة المخالفين وإصدار تعليمات للجهات القضائية بشمل يضمن حماية سمعة الأفراد وكرامتهم ويوازن بين حرية التعبير وحق الخصوصية. ويجسد تدخل النيابة العامة تطبيقا عمليا لمبدأ الوقاية القانونية، بحيث يحجم الضرر قبل أن يلحق الأذى بالمواطنين أو بالمجتمع وبذلك فإن حماية الأفراد من التشهير قبل صدور الحكم القضائي تمثل ضرورة قانونية وحقوقية، كما اكدته المواثيق الدولية والدستور المغربي والقوانين الوطنية بأن حرية التعبير لا تمنح الحق في المساس بسمعة الآخرين أو إلحاق الضرر بهم، ويظل التدخل المبكر للنيابة العامة أداة فعالة لتحقيق هذا التوازن وضمان العدالة وصون حقوق المواطنين.
(*) محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء.



