
العاج تكتب.. المغرب بين دينامية الإنجاز وصراعات ما قبل الاستحقاقات
خديجة العاجل
مع اقتراب المغرب من استحقاقات انتخابية جديدة، يتفاعل المشهد الوطني على إيقاع متغيرات داخلية وخارجية تجعل المرحلة أكثر حساسية من سابقاتها. فبين دينامية تنموية متصاعدة وتجاذبات سياسية محتدمة، يقف الوطن أمام مفترق طرق يتطلب وضوحا في الرؤية وحكمة في إدارة التنافس الحزبي، خاصة في ظل تحديات اقتصادية واجتماعية ودبلوماسية ذات وزن استراتيجي.
فقد شهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تسارعا لافتا في مشاريع التنمية الكبرى، التي تمثل جزءا من رؤية شمولية ومتبصرة لجلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده تهدف إلى تعزيز مكانة المغرب دوليا وإقليميا.
في مقدمة هذه الأوراش تأتي مشاريع الطاقات المتجددة التي جعلت المغرب نموذجا قاريا، إضافة إلى تطوير البنية التحتية من موانئ وطرق وقطارات، فضلا عن الاستثمار في الرقمنة والحلول التكنولوجية.
ويبرز ورش تعميم الحماية الاجتماعية باعتباره تحولا عميقا في السياسات العمومية، يستهدف تقليص الهشاشة وتعزيز العدالة الاجتماعية، في وقت يواصل الاقتصاد الوطني محاولات متوازنة لمواجهة تداعيات تقلبات الأسواق العالمية وارتفاع الأسعار.
وعلى الجانب الآخر، تشهد الساحة الحزبية حالة من الاستنفار السياسي، حيث ترتفع حدة التنافس الداخلي والخارجي بين الفاعلين السياسيين مع اقتراب الانتخابات.
وتتكثف الخلافات داخل بعض التنظيمات حول التزكيات والقيادات، بينما تتجه أحزاب أخرى نحو تصعيد الخطاب الشعبوي لكسب تعاطف فئات واسعة من المواطنين المتذمرين من أوضاع المعيشة.
هذه الظاهرة ليست جديدة، لكنها تبدو أكثر حضورا في مرحلة تتسم بضغط اجتماعي متزايد، ما يطرح تحديات حول قدرة الأحزاب على تقديم بدائل واقعية بدل الانغماس في منطق المناوشات والمزايدات.
ورغم الإنجازات الكبرى، ما زال المواطن المغربي يواجه تحديات يومية تتعلق بارتفاع الأسعار، وضعف الخدمات في بعض القطاعات الأساسية، وتفاوت التنمية بين الجهات.
هذه الملفات تفرض نفسها على جدول الأعمال الانتخابي، إذ ينتظر المواطن برنامج حقيقية وقدرة على التنفيذ، لا وعودا فضفاضة أو سجالات حزبية لا تعنيه.
وتبرز الحاجة إلى طبقة سياسية جديدة توظف اللحظة الانتخابية لتجديد الثقة بين المواطن والمؤسسات، بدل تحويلها إلى موسم للمزايدات قصيرة المدى.
إن القراءة الشاملة للوضع تكشف أن المغرب يقف في لحظة تستدعي ترشيد الفعل السياسي ورفع منسوب المسؤولية لدى الأحزاب. فالتنافس الانتخابي مطلوب ومشروع، لكنه يجب أن يظل مؤطرا بضوابط الديمقراطية واحترام الأولويات الوطنية.
وفي مقدمة هذه الأولويات: صون الوحدة الترابية، تسريع مشاريع التنمية، والارتقاء بمستوى النقاش العمومي.
وخلاصة القول، إن يدخل المغرب مرحلة انتخابية جديدة محملة بالآمال والتحديات في آن واحد.
فبين إنجازات كبرى تبنى بصبر واستشراف، وصراعات سياسية تدار بعقلية موسمية، يظل الرهان الحقيقي هو جعل الاستحقاقات المقبلة محطة لتكريس النضج الديمقراطي وتعزيز مسار التنمية الشاملة، مع الحفاظ على مركزية القضية الوطنية كعنوان لوحدة الصف والثبات الاستراتيجي.
ويبقى السؤال الجوهري: هل تنجح الأحزاب في تحويل هذه اللحظة إلى فرصة للإبداع السياسي والتخطيط للمستقبل، أم ستغرق في معارك جانبية تفقد السياسة معناها الحقيقي؟
(*) باحثة بسلك الدكتوراه في الأداء السياسي والدستوري



