المجتمعالواجهة

التعليم الأولي: نجاح التعميم ورهان الجودة والعدالة التربوية

لم يعد التعليم الأولي في المغرب ملفا هامشيا أو قطاعا ثانويا في سياسات إصلاح المنظومة التربوية، بل أصبح خلال السنوات الأخيرة ورشا وطنيا استراتيجيا، تتقاطع فيه الرهانات الاجتماعية والتربوية والاقتصادية. فالتعليم الأولي لم يعد مجرد مرحلة تحضيرية للمدرسة الابتدائية، بل أضحى مدخلا أساسيا لبناء شخصية الطفل وتنمية مهاراته العقلية والاجتماعية منذ سن مبكرة، في انسجام واضح مع الرؤية الملكية التي تجعل من الاستثمار في الطفولة المبكرة حجر الزاوية لبناء مدرسة عمومية منصفة وذات جودة.

قبل هذا التحول، كان التعليم الأولي يعاني من هشاشة بنيوية واضحة. فقد ظلت نسب التمدرس في صفوف الأطفال بين أربع وخمس سنوات دون 50 في المائة على الصعيد الوطني، مع تفاوتات صارخة بين الوسطين الحضري والقروي، حيث لم تكن بعض الجماعات القروية تتجاوز فيها النسبة 30 في المائة. كما ظل هذا السلك، لسنوات طويلة، مجالا غير منظم، تحكمه المبادرات الفردية والجمعوية، وتغيب عنه المعايير الموحدة من حيث التأطير، والمناهج، وجودة الفضاءات. هذا الواقع انعكس سلبا على مستويات تحصيل الأطفال، وأدى إلى تفاوتات تعليمية واجتماعية ملحوظة منذ السنوات الأولى للمدرسة الابتدائية.

اليوم، تكشف لغة الأرقام عن تحول لافت. فقد تجاوزت نسبة التمدرس في التعليم الأولي 70 في المائة على الصعيد الوطني، مع تسجيل تقدم ملحوظ في الوسط القروي، الذي أصبح يمثل أزيد من 70 في المائة من مجموع المستفيدين. هذا الارتفاع لا يعكس اتساع العرض التربوي فحسب، بل يدل على تحول عميق في تصور الدولة لدور التعليم الأولي باعتباره أداة لمحاربة الهدر المدرسي، وتقليص الفوارق الاجتماعية منذ السنوات الأولى من مسار التعلم. وبذلك، أصبح التعميم هدفا قابلا للقياس، يوازي الاهتمام بجودة التعلم والتأطير، وهو ما يشكل تغيرا جوهريا مقارنة بالعقود السابقة.

وعلى مستوى البنيات، أشرفت المؤسسة المغربية للتعليم الأولي على إحداث وتدبير ما يفوق 24 ألف قسم للتعليم الأولي، تستقبل سنويا أزيد من 400 ألف طفل وطفلة، موزعة على مئات الجماعات الترابية، بما فيها مناطق نائية كانت، إلى وقت قريب، خارج أي تغطية تربوية منظمة. كما تؤمن المؤسسة اليوم حوالي 70 في المائة من التعليم الأولي العمومي المجاني، ما يجعلها فاعلا مركزيا في تنزيل سياسة التعميم. وتعد هذه الأرقام مؤشرا واضحا على الجهد الكبير المبذول لتقريب التعليم من الأطفال في كل مناطق المملكة، بما في ذلك القرى والمناطق الجبلية والنائية، حيث كانت مستويات التمدرس ضعيفة للغاية.

هذا التوسع لم يكن ليتحقق دون تعبئة موارد بشرية مهمة. فقد تم تشغيل أكثر من 24 ألف مربية ومربٍ، تشكل النساء النسبة الأكبر منهم، إلى جانب مئات الأطر الإدارية والمشرفين التربويين. واعتمدت المؤسسة برامج للتكوين الأساسي والمستمر، همت الجوانب البيداغوجية والنفسية والتواصلية، مع إحداث شبكة إشراف تربوي تضم حوالي 800 مشرف، بمعدل مشرف واحد لكل ثلاثين قسما تقريبا، بهدف ضمان المواكبة والتتبع الميدانيين. هذه الجهود تؤكد أن المؤسسة لا تركز على التوسع الكمي فحسب، بل تسعى لضمان جودة التعلم منذ المراحل الأولى.

كما لعبت المبادرة الوطنية للتنمية البشرية دورا محوريا في إنجاح هذا الورش، من خلال تمويل إحداث وتجهيز آلاف وحدات التعليم الأولي، خاصة في الأقاليم والجماعات ذات الخصاص. فقد تم توجيه اعتمادات مالية مهمة خلال السنوات الأخيرة لدعم البنية التحتية، وتأهيل الفضاءات، وتوفير التجهيزات الأساسية، بما في ذلك الفسحات والمرافق الصحية الأساسية، في إطار رؤية تعتبر التعليم الأولي استثمارا اجتماعيا طويل الأمد، لا مجرد خدمة ظرفية. إن هذا التمويل المكثف يوضح مدى ارتباط السياسات العمومية بالتنمية الاجتماعية، ويعكس حرص الدولة على تمكين كل طفل من دخول المدرسة في ظروف مناسبة ومحفزة على التعلم.

ولا يمكن فصل هذا المسار عن الرعاية الملكية التي أحاطت بملف التعليم الأولي. فقد أكد جلالة الملك محمد السادس، في أكثر من خطاب، أن إصلاح التعليم يبدأ من المراحل الأولى، وأن أي خلل في هذه الحلقة ينعكس سلبا على المسار الدراسي برمته. وقد منح هذا التوجيه الاستراتيجي زخما سياسيا قويا للورش، وفتح المجال أمام تعبئة شاملة لمختلف الفاعلين والمتدخلين. وتبرز العناية المولوية والإرادة الحكومية في تعزيز وتطوير هذا الورش من خلال تعيين الوزير السابق نور الدين بوطيب رئيسا، والدكتورة نسرين بنعبد الجليل مديرة عامة، وهما كفاءتان يشهد لهما الجميع بالخبرة والجدية وبعد النظر. فضلا عن الإشراف على مجلسها الإداري من لدن وزير التربية الوطنية، يضم هذا المجلس الوالي، المنسق الوطني للمبادرة الوطنية للتنمية البشرية، رئيس مؤسسة محمد السادس للأعمال الاجتماعية للتربية والتكوين، رئيس المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، وخازن عام المملكة، إلى جانب عدد كبير من المسؤولين الحكوميين والمنتخبين.

غير أن النجاح الكمي والتنظيمي، على أهميته، لا يحجب التحديات البنيوية التي تفرض نفسها بإلحاح، وفي مقدمتها وضعية المربيات والمربين، باعتبارهم العمود الفقري لهذا السلك. فبالرغم من الدور المركزي الذي يضطلعون به، ما تزال وضعيتهم المهنية تثير نقاشا واسعا داخل الأوساط التربوية والاجتماعية. هذه الوضعية أثارت مؤخرا احتجاجات واسعة خاضتها شغيلة القطاع بمختلف الجهات وأمام مقر البرلمان، ما يعكس حجم التحديات الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بهذه الوظيفة الحيوية.

فالأجور الحالية للمربيات والمربين في التعليم الأولي، والتي تتراوح ما بين 3000 و3500 درهم شهريا، تمثل تحسنا نسبيا مقارنة مع مراحل سابقة، لكنها تظل محدودة عند مقارنتها بباقي أسلاك التعليم. فالأستاذ المبتدئ في التعليم العمومي يتقاضى أجرا صافيا يفوق 7000 درهم شهريا، إلى جانب الاستفادة من استقرار وظيفي، ونظام ترقي واضح، وتغطية اجتماعية مضمونة، في حين يحصل مربو التعليم الخصوصي، رغم تفاوت وضعياتهم، على أجور غالبا ما تتجاوز 4000 درهم داخل المؤسسات المهيكلة. وتطرح هذه الفوارق بوضوح سؤال العدالة الأجرية داخل المنظومة التربوية، خاصة إذا استحضرنا أن مربيات ومربي التعليم الأولي يشتغلون مع فئة عمرية شديدة الحساسية، تتطلب جهدا تربويا ونفسيا مضاعفا، ومسؤولية يومية لا تقل أهمية عن باقي الأسلاك.

ويتفاقم هذا الإشكال بفعل محدودية الاستقرار الوظيفي في عدد من الحالات، حيث يعتمد التشغيل غالبا على صيغ تعاقدية مرتبطة بالتدبير المفوض أو الشراكات الجمعوية، ما يحد من آفاق الترقي المهني ويؤثر على الاستمرارية. ورغم الجهود المبذولة لتحسين هذه الوضعية، يظل الرهان مطروحا على الانتقال من منطق التدبير المرحلي إلى منطق الإدماج المستدام.

ومن التحديات الأخرى التي تفرض نفسها، مسألة البنية التحتية، إذ لا تزال بعض وحدات التعليم الأولي تعاني من نقص في فضاءات الفسحة، أو غياب مرافق صحية ملائمة للأطفال، أو ضعف شروط السلامة. ورغم أن هذه الحالات لا تمثل القاعدة العامة، فإن استمرارها يفرض تسريع وتيرة التأهيل، لأن جودة التعليم الأولي لا تنفصل عن جودة الفضاء التربوي.

كما تطرح مسألة الجودة البيداغوجية نفسها بقوة. فرغم اعتماد إطار مرجعي وطني موحد، لا تزال هناك فوارق في الممارسة التربوية بين وحدة وأخرى، خاصة بين الوسطين الحضري والقروي. وهو ما يستدعي تعزيز آليات التتبع والتقييم، وربط التوسع الكمي بمؤشرات دقيقة لقياس الأثر الفعلي على تعلم الطفل ونموه المعرفي والاجتماعي.

ورغم هذه التحديات، تبقى النتائج المحققة ملموسة. فقد أظهرت المعطيات الأولية تحسنا في جاهزية الأطفال للالتحاق بالتعليم الابتدائي، وتراجعا نسبيا في صعوبات التعلم المبكرة، إلى جانب مساهمة التعليم الأولي في تخفيف العبء عن الأسر، وتعزيز إدماج المرأة في سوق الشغل، خاصة في المناطق الهشة.

وخلاصة القول، إن التعليم الأولي في المغرب يعيش مفارقة إيجابية: نجاحا واضحا في التعميم والتنظيم، يقابله رهان حقيقي على الجودة، والعدالة، والاستدامة. فالأرقام، مهما بلغت أهميتها، تظل وسيلة لقياس التقدم لا غاية في حد ذاتها. أما الانتقال من مرحلة التأسيس إلى مرحلة النضج، فيمر حتما عبر تحسين وضعية الموارد البشرية، وتأهيل البنيات، وترسيخ حكامة جيدة تضع مصلحة الطفل في صلب كل السياسات. ذلك أن الرهان على التعليم الأولي هو، في العمق، رهان على مستقبل المدرسة المغربية، وعلى مستقبل الوطن بأكمله.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button