أقلام و آراءالواجهة

المغرب بين تداعيات الهجرة الدولية وتطبيع الحكومات مع “الفراقشية”

نبارك أمرو

لم تعد الهجرة غير النظامية مجرد قضية امنية او ملفا حدوديا يهم المغرب واوروبا فحسب، بل تحولت الى ازمة دولية مركبة تتداخل فيها الابعاد الاقتصادية والاجتماعية والانسانية والمناخية والسياسية. ويجد المغرب نفسه في قلب هذه المعادلة بحكم موقعه الجغرافي، باعتباره بوابة طبيعية نحو الضفة الشمالية للبحر الابيض المتوسط، الامر الذي يضعه امام تحديات متزايدة تتجاوز في كثير من الاحيان قدراته وامكاناته.

فالمهاجرون الذين يحاولون الوصول الى اوروبا عبر السواحل المغربية لا ينحدرون من دولة واحدة، بل من عشرات البلدان الافريقية والاسيوية، اضافة الى جنسيات اخرى، وهو ما يؤكد ان الظاهرة ذات طابع دولي، وان المغرب ليس سوى بلد عبور يجد نفسه في مواجهة تدفقات بشرية متواصلة فرضتها ظروف تتجاوز حدوده.

ومن جانب اخر، لا ينبغي اغفال اثر الهجرة المناخية التي باتت تلقي بظلالها على القارة الافريقية، وخاصة منطقة الساحل وشمال افريقيا، في ظل توالي سنوات الجفاف، وتراجع الموارد المائية، واتساع رقعة التصحر، وهي عوامل تدفع الاف الاسر الى النزوح بحثا عن ظروف عيش افضل. كما ان الازمات الامنية والنزاعات المسلحة التي تعرفها العديد من البلدان الافريقية والاسيوية شردت ملايين الاشخاص، وحولت دول العبور، وفي مقدمتها المغرب، الى محطة رئيسية في مسارات الهجرة نحو اوروبا.

ولعل ما شهدته مدينة سبتة المحتلة خلال الاسبوع الجاري من محاولات متكررة للهجرة عبر البحر، وما رافقها من تدخلات امنية، يعكس بوضوح حجم الضغوط التي تعرفها المنطقة، ويؤكد ان الظاهرة مرشحة للاستمرار ما دامت اسبابها العميقة قائمة. لذلك، فان اختزال الملف في المقاربة الامنية وحدها لن يكون كافيا، ما لم يصاحبه تعاون دولي حقيقي لمعالجة جذور الهجرة في بلدان المصدر.

ومن هذا المنطلق، لا يمكن اختزال دور المغرب في ان يكون “دركيا” لحماية حدود اوروبا، او تحميله وحده مسؤولية تدبير ازمة تتداخل فيها اعتبارات اقتصادية وسياسية وامنية وانسانية. فالتعاون الدولي في مجال الهجرة ينبغي ان يقوم على تقاسم المسؤوليات، واحترام سيادة الدول، ودعم بلدان العبور بوسائل مالية وتنموية وتقنية تمكنها من مواجهة هذه الظاهرة في اطار شراكة متوازنة.

غير ان الانشغال بالتحديات الخارجية لا ينبغي ان يحجب التحديات الداخلية التي يعيشها المواطن المغربي. فما تزال البطالة، خاصة في صفوف خريجي الجامعات ومعاهد التكوين، تؤرق الاف الشباب الذين يجدون انفسهم امام فرص شغل محدودة، او وظائف لا تحقق، في نظر كثيرين، الحد الادنى من العيش الكريم في ظل الارتفاع المتواصل لتكاليف الحياة.

ويرى اصحاب هذا الراي ان بعض عقود التشغيل لا ترقى الى مستوى تطلعات الشباب، سواء من حيث الاجور او ظروف العمل، في وقت تتواصل فيه موجة الغلاء التي اثقلت كاهل الاسر المغربية، مع تراجع القدرة الشرائية وارتفاع اسعار العديد من المواد والخدمات، وهو ما يفرض مراجعة السياسات الاقتصادية والاجتماعية بما يعزز العدالة الاجتماعية ويوفر افاقا حقيقية للشباب.

كما تتزايد الانتقادات الموجهة الى الجهات المكلفة بمراقبة الاسواق وحماية المستهلك، اذ يعتبر منتقدون ان الرقابة على الاسعار والممارسات التجارية لا تزال دون المستوى المطلوب، ويتحدث بعضهم عن نوع من “التطبيع” مع الوسطاء والمضاربين، المعروفين في الخطاب الشعبي بـ”الفراقشية”، بما يسمح، بحسب هذا الراي، باستمرار ممارسات تساهم في اضطراب الاسواق وارتفاع الاسعار. وتبقى هذه الاراء جزءا من النقاش العمومي، ولا تعني ثبوت تلك الادعاءات او وجود احكام قضائية تؤكدها.

ان نجاح المغرب في مواجهة تحديات الهجرة الدولية لن يتحقق فقط عبر تعزيز المراقبة الحدودية او تكثيف التعاون الامني مع الشركاء الدوليين، بل يمر ايضا عبر تقوية الجبهة الداخلية، من خلال خلق فرص الشغل اللائق، وتشجيع الاستثمار المنتج، وحماية القدرة الشرائية، وتفعيل اجهزة مراقبة الاسواق، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يعزز ثقة المواطنين في المؤسسات.

فالمغرب الذي يواجه ضغوطا خارجية متزايدة يحتاج اليوم الى سياسات داخلية اكثر نجاعة وعدالة، والى شراكات دولية تقوم على تقاسم المسؤوليات لا على تصدير الازمات. فالهجرة ليست مشكلة مغربية، بل هي تحد عالمي، ومعالجتها الحقيقية تبدا من معالجة اسبابها الاقتصادية والاجتماعية والمناخية والامنية، ومن بناء تنمية عادلة تحفظ كرامة الانسان داخل وطنه قبل ان تدفعه الظروف الى البحث عنها خارجه.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button