
حين يدفع الآباء ضريبة التحولات القيمية غاليا…
حسناء بلحفات *
لعل أي متتبع للمنظومة القيمية ببلادنا وما لحقها من تغيرات، سيلحظ ان وتيرة التحولات استطاعت ان تمس كل بنيات المجتمع لتصل إلى الأسرة، التي كانت إلى عهد قريب فضاء ذو خصوصيات قيمية واخلاقية أقرب إلى القداسة.
فهل تمكنت رياح التحولات من العصف حتى بمكانة الآباء الذين كان ينظر إليهم بمثابة القديسين؟ وهل نحن أمام تهاوي متدرج لضوابط اجتماعية كانت الاعراف والدين بمثابة حصن متين لها من الانحراف؟
وأنا اقرأ مقالات او اتتبع برنامجا اجتماعيا ما، او أشاهد فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي، أجدني مضطرا على التوقف عند مشاهد صادمة أو شهادات تحكي مرارة آباء لفظتهم قيم المجتمع الاستهلاكي الجديد للشارع أو تحت رحمة مؤسسة اجتماعية اسمها “دار العجزة “… حتى الاسم لا يخلو من تحطيم نفسي لما تبقى من كرامة آباء قدموا أنفسهم قربانا ليعيشوا أبناءهم في أجمل صورة كانوا يتمنونها لهم… بين صورة “الجنة الحالمة” لآباء في حق أبنائهم، وصورة “الجحيم المنتظر” لأبناء في حق آبائهم، تستمر حكاية مجتمع يتهاوى قيميا لصالح قيم جديدة :قيم الفردانية المتوحشة والحداثة المعطوبة..
أن يحكي لسان أم وجدت نفسها وحيدة في آخر رمق، معاناتها، أو أن يتحدث أب مكلوم وعيناه اغرورقت بالدموع، فتلك صرخة مدوية تخاطب الوعي الإنساني وازماته في القرن الواحد والعشرين. في مشهد آخر من مشاهد الفيلم المرعب،
قد تصادف عيناك وانت تتجول في مواقع التواصل الاجتماعي، اعتداء ابن على أحد والديه بالسب والضرب، فتلك علامة أخرى من علامات التحول المرعب، لتنضاف إلى هذه المشاهد كلها اخبار عن استدعاء أبناء لابائهم إلى ردهات المحاكم في مواضع تشل حتى لسان القاضي في محاكمات للضمير الإنساني.
وفي مشهد آخر لن يكون الأخير لعلامة كاملة لبؤس اجتماعي وقيمي داخل المجتمع، نحتك يوميا مع آباء يتسولون وأبناؤهم في خبر كان.
إلى متى سيتوقف هذا النزيف الذي يستفزنا يوميا ويسائل فينا العمق الإنساني؟ وإلى متى سيتوقف مسلسل الأعطاب الاجتماعية في مجتمع بدأ يفقد بوصلته القيمية؟
* طالبة بالمعهد العالي للإعلام والاتصال



