أقلام و آراء

مذكرات تودغى.. حمو و فرجة الصورة

المهدي العلـــوي *

على عتبة النسيان أقف مستحضرا أيام زمان، في رهفة حميمية لاسترجاع ذكريات تناستها الذاكرة ،داخل هذا العالم المتخن بنكران الجميل، والتخلي عن الماضي التليد، والذي نقش معالمه سلف مكافح، وهو يعايش نكبات الأيام بكل ألوان الحرمان، والعمر يمضي والسنين تتساقط من شجرة الإعمار، معانقة خريف العمر، لكن ثمة عشق أزلي يأخذنا إلى استحضار ما طواه الدهر متشبتين باجمل لحظات كان لها وقع انيق في نفوسنا..

ومن خلال هذه المذكرة، وددت الرجوع الى الوراء باحترام ووفاء لطقوس تبدو اليوم من خٓرٓفِ العصر، وانت قادم الى سوق تنغير، تلك الرقعة الصغيرة من المدينة والتي يمكن أن نقول عنها نقطة تمركز محور المدينة القرية، كمضغة صغيرة داخل جسد طويل بطول واد تودغى والذي يخترق الواحة باعثا فيها نبض الحياة..
‎ ⁩

ذا السوق الذي لطالما قصدناه ونحن صغار لنستمتع بالنظر الى كل ما يعرض من بضائع و سلع و خضر وحلويات بالية غطاها الغبار، تحمل نكهة أهل الديار بالمودة والوقار وفرجة الحلقة وبائعي الأعشاب وبيض النعام والعنبر غا غا وطلاميس المشعوذين، والاستماع الى موسيقى” الكمنجة “و تماوايت وأغاني الاطلس، وخطب كشك وبعض مسرحيات عبد الرؤوف المسجلة على أشرطة صوتية ومواويل حادة أوعكي وأنغام موحى أموزون وإشعار “أوبْجْنا ” والتي يتهامس فيها المدح والهجاء في سجال عميق عن ظواهر وعادات الجنوب الشرقي، والتي تنبعث من مكبر صوت وضع على عمود حديدي يخترق سماء السوق من طاولة صغيرة لبيع أشرطة “الكاسيت”،عبارة عن أستديو صغير متنقل يحرص صاحبه في كل أثنين من أيام الأسبوع إلى جلب الجديد في عالم الموسيقى والطرب والغناء ملبيا بذلك طلبات الزبناء الأوفياء له..

نعم هي ذكريات. جميلة نكاد ننساها بفعل هول هذا التطور الجارف الذي لا يرحم ولا يدع لنا حتى بصيص وقت لاستحضارها، وأنا أحاول أن أبارز النسيان وانفض غبار النكران وغي التناسي عن رجل عشنا معه ألق الصورة وعبق الألوان وتسلسل أحداث الزمان والسفر بنا الى عوالم السينما والشاشة في أبهى تخيلاتها على لسانه بواسطة منظارات صغيرة مكبرة للصورة..

كنا نحوم حوله في حلقة صغيرة نتناوب عَلى هذه المنظارات المصنوعة بألواح خشبية بطريقة بسيطة يداخلها عدسات مكبرة للصورة، وأنت تمسكها بكلتا يديك بقوة حتى لا ينزعها منك أصدقاءك، غارسا فيها كلتا عينيك في اتجاه أشعة الشمس في استراق لنظرة تشفي غليل الفرجة..

والرجل “حمو” يضع لك الصور في تسلسل لديه من شق في أعلى المنظار، وأنت تحملق في الصور عبر العدسات الصغيرة وهو يروي لك أحداثها في تشويق مثير، ناسجا بذلك حكايا خرافية تغري بالمشاهدة والاستماع..

أذكر وأنا في صباي حكاياه عن “عيشة قنديشة ” و “بجدغيول”و “تارير” وحكايات عنثرة وأفلام العنف والقوة “طارزان” و “بروسلي” وصولا إلى حرب الخليج وبطولات صدام، و مناسك الحج..

نعم كان “حمو”رحمه الله بارعا في السرد والرواية واضعا بذلك لحكاياه بداية وعقدة وصولا إلى خاتمة ماتعة تغري الأطفال وحتى الكبار بالمشاهدة تجعلهم يتهافتون عليه مقابل ريالات أربع أو “ربعة دورو “كما يصطلح على القطعة النقذية أنذاك..

كان حمو وهو. يستعد أن يبدأ فرجته وسط السوق بطاولته والتي عليها مصوراته الصغيرة يصيح بصوته البدوي الخشن كي يجلب إليه الأنظار ويحكي يعض القصص الطريفة والغرائب المثيرة وسرعان من يلتف عليه الجميع، كأن له سحرا في جلب الانتباه، كيف لا وهو يتقن قَص الحكاية وسرد القصة والنكتة تجعلك مشدودا إليه في أبهى جماليات التلقي وأناقة التأثير والتي تسلب الفكر والوجدان كأنك داخل صرح سينمائي مثير للدهشة..

وأنا اليوم وبعد أن تلقيت خبر وفاته تقاطرت إلى خلدي كل ذكريات جميلة عشناها وإياه ومن خلال هذا السرد النوستالجي أترحم على روحه المرحة وسلامي إلى صدى حكاياه وهو في أذني ينبعث من جديد …

* كاتب خطاط وفنان تشكيلي – تنغير

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button