أقلام و آراءالواجهة

درعة تافيلالت: نموذج تنموي متكامل في قلب الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية

ذ. نور اليد سموح *

مع إعلان وزارة الداخلية عن انطلاق مرحلة تصميم وإعداد الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، تتجلى فرصة حقيقية لإعادة النظر في مسارات التنمية المحلية، خصوصا في الجهات التي تواجه تحديات كبيرة على صعيد البنية التحتية والخدمات الأساسية والفرص الاقتصادية. ومن بين هذه الجهات، تبرز درعة تافيلالت كنموذج حي، إذ تمتد على مجال جغرافي واسع و تضم خمسة أقاليم هي: الراشيدية، ورزازات، ميدلت، زاكورة وتنغير، وتتميز بتنوع تضاريسي صعب بين مناطق جبلية وصحراوية، ما يزيد حجم التحديات ويجعل الحاجة إلى رؤية تنموية متكاملة أمرا ضروريا ومستعجلا .

من خلال المتابعة اليومية لواقع جهة درا تافيلالت ، يتضح أن العديد من المناطق النائية ما تزال تعاني من ضعف الربط بالشبكات الطرقية الحديثة، ونقص التزود بالماء الصالح للشرب، وغياب قنوات الصرف الصحي ، كما تظل الخدمات الصحية والتعليمية جد محدودة، خصوصا في الوسط القروي، مما ينعكس على مؤشرات التنمية البشرية ويزيد من هشاشة الفئات الأكثر احتياجا . إضافة إلى ذلك، يواجه الاقتصاد المحلي صعوبات كبيرة للإقلاع نتيجة محدودية الاستثمارات الصناعية والخدماتية، وهشاشة الأنشطة الفلاحية المتأثرة بالتغيرات المناخية خاصة مع توالي سنوات الجفاف . ويشكل مشكل الأراضي السلالية عائقا كبيرا أمام المشاريع الاستثمارية، مما يستدعي إيجاد حلول قانونية وإدارية عاجلة لتسريع وتيرة الاستثمار وتعزيز التنمية المستدامة.

كما تواجه الجهة ايضا تحديا مؤسسيا مهما يتمثل في غياب القضاء المتخصص بشقيه التجاري والإداري، فهي الجهة الوحيدة بين جهات المملكة التي لا تتوفر على محكمة إدارية أو تجارية ويجعل الجهة مقسمة بين مراكش، اكادير وفاس ، وهو ما يعقد فض النزاعات القانونية الإدارية والتجارية ويؤخر تنفيذ المشاريع الاستثمارية، ويزيد من كلفة المعاملات القانونية على المواطنين والمستثمرين على حد سواء. لذلك، وحب إيجاد حلول عاجلة تحقيقا للعدالة وتجسيدا لمبدأ تقريب الإدارة من المواطن ، عبر إنشاء هذه المحاكم أو توفير آليات بديلة لتقريب العدالة، دعما للاستثمار وتسريع التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

ولضمان نجاح أي برامج تنموية ترابية ، يكتسب الإطار القانوني أهمية بالغة، إذ يحدد المسؤوليات والصلاحيات لكل مستوى من الجماعات الترابية:
1.فالجهات حسب القانون التنظيمي رقم 111.14، ينص في مادته الخمسة على ان :
«الجهة تعمل على إعداد وتطبيق سياسة التنمية الجهوية، وتنسيق المشاريع والبرامج مع مختلف المصالح المعنية، وتساهم في تعبئة الاستثمارات لدعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية.»
2. اما الجماعات المحلية فالقانون التنظيمي رقم 113.14، نص في المادة 7 منه على ان :
«الجماعة المحلية مسؤولة عن تنمية ترابها، وتحديد أولوياتها، وتنفيذ المشاريع وفق مصالح ساكنتها، مع ضمان المشاركة الفعلية للمواطنين في صياغة السياسات المحلية.»
3. أنا بخصوص العمالات والأقاليم فالقانون التنظيمي رقم 112.14، اكد في المادة 6 منه على ان :
«العمالة أو الإقليم يضمن متابعة المشاريع، وضمان انسجامها مع البرامج الجهوية والوطنية، ويعمل على تأطير الجماعات الترابية تقنيًا وماليًا، وتعبئة الاستثمارات الوطنية والدولية لصالح الجهات الأكثر هشاشة.»

وبفضل هذه الترسانة القانونية، تتضح مسؤوليات وكذا اختصاصات كل طرف فيما يتعلق ببرامج التنمية الترابية: فالجهات تقوم بوضع الاستراتيجيات التنموية والتنسيق بين الأقاليم والمجالس، والعمالات والأقاليم تتابع التنفيذ وتضمن انسجام البرامج مع الأولويات الجهوية والوطنية، والجماعات المحلية تحدد أولويات الساكنة وتنفذ المشاريع الصغيرة والمتوسطة، مع تعزيز المشاركة المجتمعية. وفي الوقت نفسه، توفر الإدارة المركزية الدعم المالي والتقني، وتضمن توجيه الموارد بما يتوافق مع أولويات التنمية المندمجة، بشكل يعزز الحكامة ويقلل الهدر.

ومع إطلاق الجيل الجديد من برامج التنمية، يمكن تصور عدة محاور رئيسية على سبيل الذكر لا الحصر من شأنها ان تلبي الاحتياجات التنموية الترابية لجهة درعة تافيلالت :
•البنية التحتية الأساسية: تحديث الطرق عبر ربط الجهة بباقي الجهات وفك العزلة عنها ، ربط المناطق النائية بالماء والكهرباء، تطوير شبكات الصرف الصحي، وتحسين خدمات النقل المدرسي والصحي.
•التعليم والصحة: تعزيز المدارس الابتدائية والثانوية في الوسط القروي، دعم المستشفيات والمراكز الصحية، توفير برامج تكوينية للشباب، وتطوير التعليم العالي والبحث العلمي من خلال احداث جامعة مستقلة بجهة درعة تافيلالت وكذلك احداث المعاهد العليا لتلبية احتياجات سوق الشغل وربط الدراسات العلمية بالمشاريع الاقتصادية المحلية، بما يخلق فرص تشغيل ويحفز الابتكار.
•التنمية الاقتصادية والتشغيل: دعم المشاريع الصغرى والمتوسطة، تشجيع الاستثمارات في الفلاحة المستدامة، السياحة الواحية والبيئية، والحرف التقليدية.
•ايجاد حلول جذرية لمشكل الأراضي السلالية: اعتماد برامج تشاركية لتسوية النزاعات العقارية، تيسير الاستثمار الفلاحي والسياحي، وتفعيل الصيغ القانونية لتقنين الأراضي.
•القضاء المتخصص: إيجاد حلول عاجلة لإنشاء المحاكم الإدارية والتجارية أو توفير آليات بديلة لتقريب العدالة، بما يضمن حماية الحقوق ودعم الاستثمار.
•الاستدامة البيئية والثقافية: الحفاظ على الواحات، الموارد المائية، التراث الطبيعي والثقافي للجهة، وربط التنمية بالمحافظة على الهوية البيئية والثقافية.

وبالمناسبة لا يمكن إغفال دور المجتمع المدني والفاعلين المحليين، الذين يمثلون صوت الساكنة في طرح المبادرات والحلول، وذلك باشراكه في المشاورات الموسعة المزمع القيام بها على مستوى كل اقليم في قصد المساهمة في متابعة المشاريع وتقييم نتائجها، وبشكل يضمن أن تكون البرامج التنموية الترابية الجديدة مستجيبة لتطلعات السكان ويعزز الشفافية والمحاسبة.

وهكذا، فإن نجاح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية رهين بمدى قدرة الجميع – من المركز، الجهات، العمالات، الجماعات المحلية، والمجتمع المدني – على العمل بانسجام ضمن إطار قانوني واضح، وآليات مالية وتقنية مدروسة، مع وضع المواطن في قلب كل مشروع. وتظل جهة درعة تافيلالت نموذجا حيا للحاجة الملحة إلى نموذج تنموي مندمج وشامل، يربط بين التخطيط المركزي والجهوي والمحلي، ويحقق العدالة المجالية، ويحافظ على الموارد البيئية والثقافية، ويرتقي بالظروف المعيشية للسكان، مع إتاحة الفرصة لكل مواطن للمشاركة الفعلية في صياغة مستقبله التنموي الترابي.

* محام بهيئة المحامين بالدارالبيضاء

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button