
الاقتصاد الاجتماعي والتضامني رافعة للتنمية الجهوية: نموذج جهة درعة تافيلالت
ذ. نورالدين سموح *
بمناسبة انعقاد المناظرة الوطنية للاقتصاد الاجتماعي والتضامني، يومي 17 و18 يونيو 2025، تحت شعار: “الاقتصاد الاجتماعي والتضامني والتنمية المجالية: نحو دينامية جديدة لالتقائية السياسات العمومية”، نعيد نشر هذا المقال الذي سبق تقديمه، والذي يتناول دور الاقتصاد الاجتماعي والتضامني كرافعة أساسية لتحقيق التنمية الجهوية، جهة درعة تافيلالت نموذجا.
يكتسي هذا الموضوع أهمية متجددة في ظل التحديات التنموية التي تعرفها العديد من الجهات بالمغرب، والحاجة الملحة إلى تبني نموذج اقتصادي بديل يضع الإنسان في صلب العملية التنموية، ويرتكز على مبادئ العدالة الاجتماعية، مع تثمين الموارد والإمكانات المحلية.
يمثل الاقتصاد الاجتماعي والتضامني (ESS) نموذجا اقتصاديا بديلا يسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة من خلال خلق قيمة اقتصادية ذات بعد اجتماعي، تسهم في تحسين أوضاع الأفراد والمجتمعات. ويرتكز هذا النموذج على مؤسسات غير ربحية، مثل الجمعيات، التعاونيات، والمقاولات الاجتماعية، التي تهدف إلى خلق فرص العمل وتحقيق العدالة الاجتماعية. وفي جهة درعة تافيلالت، يشكل هذا النمط الاقتصادي رافعة مركزية للتنمية الجهوية المستدامة، وأداة فعالة لمكافحة الفقر، الحد من الهجرة القروية، وتمكين المرأة القروية اقتصاديًا.
و يتسم الاقتصاد الاجتماعي والتضامني بعدد من الخصائص الجوهرية، أبرزها الدور المحوري للتعاونيات، التي تعد مكونا أساسيا في هذا النموذج. فهي تنظيمات تسعى إلى تقديم منتجات وخدمات تستجيب لحاجيات السوق المحلي والوطني، وترتكز على مبادئ العدالة الاجتماعية من خلال ضمان توزيع منصف للثروات والفرص. كما أن التجارب الدولية تؤكد أن هذا النوع من الاقتصاد يولي أهمية خاصة للممارسات البيئية المستدامة. أما على المستوى المجتمعي، فهو يشجع المشاركة الفاعلة للسكان المحليين في اتخاذ القرار وتنفيذ المشاريع.
و تمتلك جهة درعة تافيلالت إمكانيات طبيعية وبشرية كبيرة، خاصة في مجالات الفلاحة، السياحة، الثروات المعدنية، والموروث الثقافي. غير أنها تواجه في المقابل تحديات اقتصادية واجتماعية عميقة، أبرزها ارتفاع معدلات الفقر والهشاشة، نتيجة الظروف المناخية الصعبة والاختلالات البنيوية في القطاع الفلاحي. كما تسجل الجهة نسبا مرتفعة للهجرة القروية بسبب قلة فرص الشغل، فضلًا عن الفجوة الكبيرة بين مؤهلات الجهة من جهة، وضعف البنية التحتية والخدمات الاجتماعية من جهة أخرى، مما يحد من إمكانات تحقيق تنمية مندمجة ومستدامة.
وفي هذا السياق، يمكن للاقتصاد الاجتماعي والتضامني أن يلعب دورا محوريا في إنعاش التنمية الجهوية. فعلى مستوى التشغيل، تتيح التعاونيات والمقاولات الاجتماعية فرص عمل لشرائح واسعة من السكان، لاسيما في العالم القروي. فالتعاونيات الفلاحية مثلا توفر مناصب شغل في مجالات مثل زراعة الزعفران، الورد، التمور، وغيرها من المنتجات العضوية، الموجهة للأسواق المحلية والدولية دون ان ننسى الدور الأساسي الذي تلعبه التعاونيات النسائية في التمكين الاقتصادي للنساء القرويات من خلال مشاريع الصناعات التقليدية والمنتجات المحلية، مما يمنحهن استقلالية مالية ويعزز دورهن داخل الأسرة والمجتمع.
أما على المستوى الاجتماعي، فيساهم هذا الاقتصاد في تحسين مستوى عيش الساكنة، خاصة من خلال دعم المشاريع الموجهة للفئات الهشة، ما يمكن من تعزيز كفاءاتهم وتحسين دخولهم اضافة الى كونه يدعم التنمية المحلية عبر مبادرات مسؤولة بيئيا واجتماعيا ، كما تقوم به التعاونيات البيئية العاملة في مجالات إعادة التدوير، والمحافظة على الموارد الطبيعية، والزراعة المستدامة.
ويعد الاقتصاد الاجتماعي والتضامني ايضاً أداة فعالة للحد من ظاهرة الهجرة القروية، من خلال تحسين ظروف العيش وتوفير فرص الشغل والتكوين داخل المناطق القروية. وبفضل تعبئة العقار وتحفيز الاستثمار المحلي، يمكن تقليص معدلات النزوح، وتعزيز إدماج الشباب في الدورة الاقتصادية والإسهام في تحسين البنية التحتية من خلال دعم مبادرات لبناء الطرق والمرافق الصحية والتعليمية، مما يرفع من جودة الحياة بالقرى والمناطق النائية.
ولإنجاح هذا النموذج التنموي، تبرز مجموعة من الحلول الأساسية المعول عليها لتشجيع هدا النوع الجديد القديم من الاقتصاد منها:
• تعزيز التكوين والتأطير لأعضاء التعاونيات، لتمكينهم من مهارات التدبير والتسيير.
• تسهيل الولوج إلى التمويل، عبر إحداث صناديق دعم موجهة للمشاريع الاجتماعية والتضامنية.
• تبسيط المساطر الإدارية والقانونية المرتبطة بإنشاء وتسيير التعاونيات، لتحفيز المبادرات المحلية.
• تفعيل الشراكة بين القطاعين العام والخاص، لدعم المقاولات الصغيرة والمتوسطة في مجالات السياحة، الفلاحة، والصناعة التقليدية.
وفي هذا السياق، يكتسي تعزيز الجسر بين مؤسسات التكوين والبحث العلمي والمبادرات الميدانية أهمية خاصة، بهدف خلق منظومة متكاملة تمكن الطلبة والباحثين من تحويل نتائج أبحاثهم إلى حلول واقعية قابلة للتنفيذ. فالكثير من الابحاث المنجزة في هذا الخصوص تبقى حبيسة المختبرات، رغم قابليتها للتطبيق الميداني، لا سيما من خلال التعاونيات التي تتيح بيئة مرنة ومنفتحة لتجريب الممارسات الفضلى. و إن التعاون بين الجامعة ومراكز البحث فيها من جهة، والتعاونيات من جهة أخرى، يمكن أن يؤدي لا محالة إلى شراكات رابحة للطرفين؛ تستفيد فيها التعاونيات من حلول مبتكرة، فيما يحظى الباحثون بفرصة اختبار أفكارهم في الواقع، ما يترجم البحث العلمي إلى أداة فاعلة ومتجذرة في صميم المجتمع.
ورغم الإمكانات الواعدة، لا تزال جهة درعة تافيلالت تواجه عدة عراقيل في هذا المجال، على رأسها صعوبة الولوج إلى التمويل، غياب برامج تكوين متخصصة ومستدامة، وتعقيد الإجراءات الإدارية. ويضاف إلى ذلك أن الجهة كانت، إلى حدود نهاية 2024، الجهة الوحيدة على الصعيد الوطني التي لا تتوفر على مكتب التعاون، مما شكّل عائقا مؤسساتيا حقيقيا في وجه التعاونيات وبالتالي في تطور الاقتصاد التضامني بها.
و في الختام، يمكن القول إن الاقتصاد الاجتماعي والتضامني يمثل فرصة استراتيجية لتحقيق تنمية جهوية عادلة ومستدامة بجهة درعة تافيلالت، من خلال خلق الثروة، محاربة الهشاشة، تعزيز روح المبادرة المجتمعية، وتحقيق التقاء السياسات العمومية. غير أن نجاح هذا النموذج يظل رهينا بتوفير الدعم المؤسساتي، والاعتراف الرسمي، والانخراط الجماعي لمختلف الفاعلين من أجل تحقيق الإقلاع التنموي المنشود.
(*) محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء.



