
في وقت ينشغل فيه الرأي العام بالتحولات المناخية وتقلبات السوق الفلاحية، كشفت عملية الإحصاء العام للقطيع الوطني من الأغنام والماعز والإبل والأبقار، التي باشرتها مصالح وزارة الداخلية مؤخرا بتعليمات ملكية سامية، عن الوجه المشرق للرُّحل المغاربة. هؤلاء الجنود الذين يعملون في صمت، بعيدًا عن الأضواء، ويساهمون بشكل مباشر في تزويد السوق الوطنية باللحوم ذات الجودة العالية، وفي الحفاظ على التوازن الإيكولوجي والتنوع البيولوجي بالمناطق الجبلية.

هذه الصور لإحدى عمليات الإحصاء بجماعة أمسمرير، بإقليم تنغير، وسط جبال “ألمو نيديكل” وباقي المرتفعات المجاورة التي يلجأ إليها الرُّحل صيفا من قبيل تيسيدلت وأقانيرغيس وأودال نايت أونبكي تكشف عن واقع مغاير لما يعتقده كثيرون عن وضعية القطيع. فالمشاهد تظهر حالة جيدة للماشية سواء من حيث العدد أو من حيث الصحة، وهو ما يعكس تحسن المراعي خلال السنوات الأخيرة بفضل التساقطات المطرية والثلجية التي عرفتها هذه المناطق بعد أعوام من القحط والجفاف.
غير أن هذا النشاط العريق يواجه تحديات حقيقية تهدد استمراريته. فالهجرة المتزايدة للشباب نحو المدن، وتوالي سنوات الجفاف، وغياب الدعم الكافي، كلها عوامل تدفع بالعديد من الأسر الرُّحل إلى التخلي عن حياة الترحال والرعي، والبحث عن بدائل أكثر استقرارا، ما ينذر بتراجع ملحوظ في أعدادهم سنة بعد أخرى.

وتبرز نساء الرُّحل كمناضلات من الدرجة الأولى، إذ يتحملن يوميًا مسؤوليات كبيرة تشمل تربية الأبناء، وتوفير الطعام، ورعاية صغار الماشية، والبحث عن حطب التدفئة والطهي، بعيدًا عن أساليب الحياة الحضرية وشاشات التلفزيون، والأدوية البيولوجية، والمستحضرات التجميلية، وذلك في إطار دعم الزوج وبناء الأسرة والحفاظ على تماسكها.
ويؤكد متابعون أن عدد الأسر التي لا تزال ترابط في تخوم جبال الأطلس، خاصة في مناطق أمسمرير وواد أمكون وإملشيل، يتراجع بشكل مطرد، مما يطرح علامات استفهام حول مستقبل هذا النمط المعيشي، الذي ظل لقرون جزءا من الهوية الثقافية والاقتصادية للمغرب العميق.

ورغم أهمية الدور الذي يلعبه الرُّحل في تغذية الأسواق المحلية باللحوم الجيدة من الأكباش والمعز والإبل، وضمان التوازن البيئي في الفضاءات الجبلية والقروية، فإن الدعم العمومي غالبا ما يتجه نحو الفلاحين والكسابة الكبار. وهو ما يجعل الرُّحل الحلقة الأضعف في المنظومة الفلاحية، على الرغم من دورهم الحيوي الذي لا يمكن تعويضه.
وبهذه المناسبة، لا يمكن إلا أن نثمن مجهودات مختلف المتدخلين من رجال وأعوان السلطة، وأطر وزارتي الداخلية والفلاحة والجماعات الترابية، والدرك الملكي، والقوات المساعدة، وفعاليات المجتمع المدني، وكل المساهمين في إنجاح عملية الإحصاء واستدراك أي أخطاء سابقة التي سجلتها إحدى الجمعيات “الوطنية”، والتي لم تقدم الأرقام الحقيقية للقطيع الوطني، في الوقت الذي لم تُتخذ بعد أي قرارات زجرية في حق هذه الجمعية التي يرى البعض أنها خانت ثقة المغاربة.

صورة تعبيرية
لذلك، يبرز مطلب ملح بضرورة إعادة النظر في سياسات دعم العالم القروي، مع تخصيص برامج عملية تمكن الرُّحل من أبسط شروط العيش الكريم، وتضمن استمرارية هذا النشاط الحيوي. فبقاء الرُّحل في أماكنهم هو في جوهره مساهمة في الأمن الغذائي الوطني، وحماية للتوازن الإيكولوجي الذي بات اليوم أكثر من أي وقت مضى رهانا استراتيجيا لمستقبل البلاد.




