أقلام و آراءالواجهة

المنتخب والمعين بين النص والممارسة: أي مستقبل للتدبير الترابي؟

ذ. نور الدين سموح *

تدبير الشأن العام المحلي بالمغرب يضعنا أمام معادلة معقدة، يتداخل فيها المنتخب باعتبارهم حامل الشرعية الديمقراطية والمعين باعتباره ممثل السلطة المركزية. هذه المعادلة لا تخلو من توتر هيكلي ناتج عن ازدواجية النص والممارسة، فبينما كرس دستور 2011 مبدأ الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، لا تزال الإدارة المغربية تميل في العديد من مظاهرها إلى المركزية المفرطة وإلى الوصاية الواسعة على القرار المحلي.

لقد كانت الإدارة في التجارب المقارنة وسيلة لخدمة المواطن في أحسن الظروف الممكنة، وهو ما تطلب في الدول المتقدمة تجديد الهياكل وتبسيط المساطر وتجاوز البيروقراطية الثقيلة. أما في المغرب، فقد عرفت الإدارة بدورها تحولات هامة في العقود الأخيرة، غير أن هذه التحولات لم تكتمل بعد لتجعلها إدارة قريبة من المواطن بالمعنى الفعلي. فالإدارة المركزية، رغم كفاءتها وقدرتها، لا يمكنها أن تضطلع بمهمة التأطير المحلي والجهوي بكفاءة عالية في ظل تشعب التراب الوطني وتنوع الحاجيات، ومن هنا جاء التفكير في نظام اللاتمركز الإداري باعتباره أحد المداخل الأساسية لتحديث أساليب التدبير، وتحويل الإدارة من إدارة الأوامر والتعليمات إلى إدارة تنموية ترابية، قادرة على أن تكون رافعة للمشاريع المحلية والجهوية.

المشرع الدستوري، في الفصل 145 من دستور 2011، أسند للولاة والعمال ادوار ا محورية تتمثل في تمثيل السلطة المركزية على مستوى الجماعات الترابية، وضمان تطبيق القوانين والنصوص التنظيمية، وممارسة الرقابة الإدارية، ومساعدة رؤساء الجماعات الترابية، وخاصة رؤساء الجهات، على تنفيذ البرامج التنموية، بالإضافة إلى تنسيق عمل المصالح اللاممركزة تحت سلطة الوزراء المعنيين. هذا التصور يجعل من مؤسسة الوالي والعامل سلطة محورية داخل النسق الترابي، ليس فقط باعتبارها حلقة وصل بين المركز والجهات، بل أيضا باعتبارها ركيزة أساسية في ضمان انسجام السياسات العمومية. غير أن الواقع أفرز مفارقة واضحة: ما صيغ على أنه “مساعدة وتنسيق” تحول في الممارسة إلى “هيمنة وضبط”، وهو ما يعيدنا إلى منطق الوصاية الذي كان من المفروض تجاوزه مع دستور 2011.

من جهة أخرى، منح القانون التنظيمي 111.14 للجهات، و112.14 للعمالات والأقاليم، و113.14 للجماعات، صلاحيات واسعة في إعداد وتنفيذ برامج التنمية الترابية. فالمجالس المنتخبة مطالبة بإعداد برامج تنموية لست سنوات، تأخذ بعين الاعتبار الخصوصيات المحلية وتعمل على إدماجها في المخططات الجهوية والوطنية. هذه الاختصاصات، نظريا ، تعطي للمنتخب موقعا متقدما في صياغة القرار المحلي. غير أن تقييد هذه الصلاحيات بسلطة الرقابة الواسعة للعامل أو الوالي، كما نصت عليه المقتضيات القانونية التي تخول لهم الطعن في مقررات المجالس ووقف تنفيذها إلى حين البت القضائي، يفرغ الاستقلالية المفترضة من مضمونها. ويجد المنتخب نفسه أمام مفارقة: امتلاك نصوص قانونية متقدمة من جهة، ومحدودية هامش المبادرة على أرض الواقع من جهة أخرى.

سياسة اللاتمركز الإداري التي كرستها الدولة من خلال المرسوم الصادر سنة 2018 بشأن اللاتمركز الإداري ، جاءت لتعيد التوازن بين المركز والجهات، وتخفف من ثقل المركزية المفرطة. فهي تسعى إلى نقل الاختصاصات التنفيذية من الإدارات المركزية إلى المصالح اللاممركزة، بما يسمح بسرعة اتخاذ القرار وفعالية تنزيل البرامج. وقد أوكل المرسوم للولاة والعمال اختصاصات مهمة في الإشراف على تنسيق هذه المصالح وضمان انسجام عملها، بل ومواكبة الجماعات الترابية في إنجاز مشاريعها. غير أن نجاح هذا التوجه يظل رهينا بقدرة الفاعلين الترابيين على تجاوز منطق التراتبية الإدارية البيروقراطية والتحرر من ثقافة التشبث الحرفي بالنصوص التي تعيق أحيانًا روح المبادرة.

المعضلة الأساسية تكمن في أن المنتخب، باعتباره مفوض ديمقراطيا من طرف المواطنين، لا يزال ضعيفا من حيث التكوين والخبرة والقدرة على التفاوض والترافع. وفي المقابل، يتمتع المعين بخبرة إدارية ومؤسساتية ووسائل تنفيذية واسعة، مما يجعله اللاعب الأقوى في معادلة تدبير الشأن المحلي، وهذه الوضعية تعيد إنتاج مشهد يهمش المنتخب ويعلي من سلطة الإدارة او المعين ، وهو ما يناقض اساسا الفلسفة الجوهرية للجهوية المتقدمة التي تهدف من بين ما تهدف اليه جعل المنتخب في قلب التنمية الترابية.

إن تجاوز هذه المفارقة يتطلب حلولا عملية تتجاوز النقد إلى الفعل من خلال مايلي:
أولا، ينبغي مراجعة العلاقة بين المنتخب والمعين بما يعيد الاعتبار لمفهوم الاستقلالية التدبيرية، من خلال حصر وصاية الولاة والعمال في مراقبة المشروعية فقط، لا مراقبة الملاءمة.
ثانيا ، يتعين إرساء آليات للتقييم الدوري لأداء ممثلي السلطة المركزية، وربط مسؤولياتهم بالمحاسبة أسوة بالمنتخبين، تنفيذا لمبدأ “ربط المسؤولية بالمحاسبة” المنصوص عليه في الدستور.
ثالثا ، يجب الاستثمار في قدرات المنتخبين المحليين عبر برامج تكوين مستمر في مجالات التخطيط الاستراتيجي، التدبير المالي، الحكامة الجيدة، والمرافعة المجالية، بما يمكنهم من الارتقاء إلى مستوى الشريك الحقيقي في التنمية.
رابعا، تفعيل الديمقراطية التشاركية بشكل فعلي، من خلال العرائض والملتمسات والآليات التشاورية، حتى يصبح المواطن والمجتمع المدني عنصرا ضاغطا في توجيه السياسات الترابية.
خامسا ، يتعين على الدولة أن التعجيل في تنزيل مضامين ميثاق اللاتمركز الإداري بشكل فعلي، وأن تمنح للمصالح اللاممركزة الإمكانيات البشرية والمالية واللوجستيكية الكفيلة بجعلها قادرة على دعم التنمية المحلية والجهوية.

إن تدبير الشأن العام المحلي لا يمكن أن يكون ناجعا في ظل استمرار منطق الثنائية التي في حالة صراع يومي بين المنتخب والمعين والمطلوب اليوم هو هندسة جديدة للعلاقة بين الطرفين، تقوم على التكامل لا التنافر، وعلى الشراكة لا الوصاية، فالمغرب لا يحتاج إلى إدارة محلية تعيد إنتاج المركزية في حلة جديدة، بل إلى إدارة قرب تجعل المواطن في صلب اهتماماتها. ولا يحتاج إلى منتخبين يكتفون بالتشكي كل يوم من تدخلات السلطة، بل إلى نخب محلية مؤهلة تتحمل مسؤولياتها في الابتكار والتخطيط والمساءلة والترافع امام باقي المؤسسات الدستورية من اي خلاف مع المعين ، حينها فقط يمكن أن تتحقق العدالة المجالية ويطوى نهائيا منطق “المغرب بسرعتين” الذي أشار إليه الملك محمد السادس نصره الله وأيده في أكثر من مناسبة كان اخرها بمناسبة خطاب العرش في سويوز من سنة 2025، ويصبح التدبير المحلي رافعة حقيقية للتنمية المستدامة ولتعزيز الثقة بين المواطن والدولة .

(*) محام بهيئة المحامين بالدار البيضاء – فاعل مدني.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button