
الدكتور العلالي يكتب.. أبعاد الحكم الذاتي
يعتمد تناول الموضوع على تحليل يصنّف العناصر المرتبطة بالتعليم والثقافة والإعلام والتقنية، وتستكمل المقاربة بتحليل مؤسساتي يحدد طبيعة الهيئات الجهوية الجديدة وأثرها على السيادة الوطنية. وهي عناصر نجد لها صيغاً مختلفة للحكم الذاتي مطبقة في دول متعددة، مثل إسبانيا (كتالونيا)، وإيطاليا (تيرول)، وكندا (كيبيك)، وبريطانيا (اسكتلندا)، وجزر فارو وغرينلاند في الدنمارك، وهونغ كونغ، وإقليم كردستان العراق، وغيرها.
الأبعاد التربوية والثقافية والإعلامية والرقمية في وثيقة الحكم الذاتي
وتمثل هذه العوامل عناصر أساسية لتدبير حل سياسي يُنهي نزاعاً إقليمياً في إطار الوحدة الترابية وسيادة الدولة، ولإنجاح مسلسل العودة والمصالحة في نطاق عفو شامل وضمان العودة الطوعية والآمنة. وفي مرحلة لاحقة، يتم تنظيم انتخابات عامة ومباشرة لبرلمان جهة الحكم الذاتي، وممارسة الاختصاصات الحصرية بشكل تدريجي (الاقتصاد، التعليم، الثقافة، الإعلام، الصحة، النقل، البيئة، التنمية، البنية التحتية)، من لدن حكومة محلية منتخبة.
يشير مفهوم الحكم الذاتي، كما هو معروض في وثيقة المبادرة المغربية للتفاوض بشأن نظام للحكم الذاتي لجهة الصحراء، إلى نظام سياسي وإداري واسع الصلاحيات يهدف إلى تمكين سكان المنطقة من تدبير شؤونهم بأنفسهم ديمقراطياً، ضمن إطار سيادة المملكة المغربية ووحدتها الترابية الوطنية.
وتطرح الوثيقة المغربية المقترحة للحكم الذاتي، التي تقدم بها المغرب سنة 2007 أمام مجلس الأمن، تصوراً متقدماً يجعل من الأبعاد التربوية والثقافية والإعلامية والرقمية ركائز للتنمية البشرية والاستقرار السياسي داخل إطار السيادة المغربية. فهذه الأبعاد، وإن لم تُصنَّف ضمن الاختصاصات السيادية الصلبة، تُبرزها الوثيقة كمجالات تفويض جهوي تُسهم في ترسيخ الاندماج وتعزيز المشاركة السياسية لساكنة المناطق الصحراوية في تدبير شؤونهم، في انسجام مع نموذج الجهوية المتقدمة والدستور المغربي.
فلسفة الحكم الذاتي: تحرير قدرات الجهة وتحقيق السلم الإيجابي في مسار ديمقراطي متحول
ويؤكد هذا التصور أنّ الحكم الذاتي لا ينحصر في البعد المؤسساتي أو الإداري، بل يقوم على بناء مجتمع حديث يستند إلى احترام الخصوصية الثقافية للهوية الحسانية، وتطوير المدرسة الجهوية، وتجديد المشهد الإعلامي المحلي، وإرساء بنية رقمية متقدمة، ضمن هندسة مؤسساتية تضمن توزيع الصلاحيات بوضوح بين السلطة المركزية والهيئات الجهوية المنتخبة.
يقوم تصور الحكم الذاتي المغربي على منح الجهة صلاحيات واسعة في تدبير شؤونها المحلية ضمن إطار السيادة الكاملة للمملكة. فالدولة تحتفظ حصرياً بالاختصاصات السيادية المرتبطة بالدفاع والأمن الوطني والعلاقات الخارجية والرموز الوطنية والاختصاصات الدينية والدستورية للملك، ويتولاها داخل الجهة مندوب للحكومة. وفي المقابل، تحصل الجهة على اختصاصات تشريعية وتنفيذية وقضائية تشمل الإدارة المحلية، والشرطة الجهوية، والاقتصاد، والمالية، والبنى التحتية، والخدمات الاجتماعية، إضافة إلى الثقافة والهوية الحسانية وحماية البيئة. وبذلك يجمع التصور بين وحدة الدولة وتمكين الجهة من تسيير شؤونها وفق خصوصياتها، حيث يدمج المشروع بين مقومات السيادة وبين تحرير قدرات الجهة في مجالات التنشئة الثقافية والمعرفية، وذلك من خلال مؤسسات جهوية تتمتع بصلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية واضحة، وبرلمان جهوي يضمن الرقابة والمساءلة والتمثيلية.
يقوم تصور المغرب للحكم الذاتي على فكرة “السلم الإيجابي” الذي لا يكتفي بوقف النزاع، بل يبني شروط التعايش عبر دمج مختلف المكونات الاجتماعية الصحراوية في المؤسسات المحلية. ويعتمد هذا التصور على نقل صلاحيات واسعة للجهة، بما يسمح بتدبير الشؤون التنموية والثقافية والتربوية بشكل مستقل نسبياً. وتُصبح الموارد البشرية هنا رافعة أساسية، إذ يتطلب نجاح الحكم الذاتي تكوين نخب محلية قادرة على تدبير المؤسسات الجهوية وفق المعايير الوطنية والدولية، بتنسيق بين اللجان الجهوية والسلطات المركزية.
فمشروع الحكم الذاتي ليس ترتيبا إدارياً وحسب، بل هو امتداد لمسار ديمقراطي مغربي قائم على توسيع اللامركزية. فالجهة تُمنح صلاحيات تشريعية وتنفيذية واسعة، وتشرف على تعيين جزء كبير من مسؤولي المؤسسات الجهوية في حدود التفويض. ويكون البرلمان الجهوي مؤسسة مركزية في الرقابة على التعيينات، والمصادقة على الخطط القطاعية، وتقييم أداء الأجهزة التنفيذية. ويُحدث هذا توازناً بين مقتضيات السيادة الوطنية وما تمنحه الجهة من حرية تدبير.
الأبعاد التربوية والثقافية والتواصلية
يَتطلّب تحويل مبادرة الحكم الذاتي من إطار المبادئ إلى وثيقة تنفيذية المرور إلى تفاصيل تنظيمية واضحة، لأن مجالات التربية والثقافة والإعلام والرقميات تحتاج آليات دقيقة للتنفيذ، وتشريعات محددة، وجداول زمنية، ومؤسسات مكلفة بالتتبع، لضمان تفعيل واقعي وفعّال لهذه الاختصاصات الجهوية. وهي عناصر تهم المرحلة الثالثة لبناء المؤسسات، التي تسبقها مرحلة التفاوض والموافقة، ومرحلة الإجراءات التشريعية والدستورية.
وتجدر الإشارة إلى أن الأفكار المعروضة حول هذه الأبعاد ليست سوى تأملات افتراضية أولية تستند إلى وثيقة غير مكتملة، وتشكل أرضية عمل قابلة للتطوير. وهي تمثل سيناريوهات محتملة، وليست ترتيبات نهائية، ريثما تُحسم تفاصيل النموذج المؤسسي خلال مسار التفاوض والصياغة النهائية.
تميّز الوثيقة بوضوح بين:
أ مجالات سيادية صلبة: الدفاع، الأمن، السياسة الخارجية، العملة، الرموز الوطنية، الاختصاصات الدينية.
ب- مجالات قابلة للتفويض: التعليم، الثقافة، الإعلام، التنمية البشرية، الرقمنة، تدبير الموارد البشرية المحلية.
أ – المجال التربوي
وبالنظر إلى أن الوثيقة ما تزال في مرحلة أولية، يمكن افتراض أن المناهج الوطنية العامة، والشواهد، والمعايير التربوية الكبرى ستظل خاضعة لسيادة الدولة باعتبارها الإطار المرجعي الموحد للمنظومة التعليمية. وفي مقابل ذلك، قد يُسند للجهة تدبير الجوانب التنفيذية الأقرب إلى الميدان، مثل إدارة المؤسسات التعليمية، وتحديد لغات التدريس، وتضمين الثقافة الحسانية في المقررات، وتشييد المؤسسات التعليمية (ابتدائي، ثانوي، جامعي)، وتعيين المديرين، وإعداد برامج تربوية محلية منسجمة مع المرجعية الوطنية، وصلاحيات التوظيف والبتّ في الشؤون الإدارية والمالية للقطاع.
وهو ما يعني أن إدارة الحكم الذاتي تتمتع بدرجة كبيرة من الاستقلالية في إدارة المنظومة التعليمية المحلية، مع قابلية هذه الاختصاصات للتعديل وفق ما ستفضي إليه المشاورات والتوافقات النهائية.
ب – المجال الثقافي
في نطاق حماية وتعزيز الهوية الثقافية المحلية ضمن الإطار الوطني الموحد، ستحتفظ الدولة بالصلاحيات المرتبطة بالتراث الوطني المصنَّف، وبالعلاقات الثقافية الخارجية باعتبارها مجالات ذات طابع سيادي. وفي المقابل، قد تُفَوَّض للجهة صلاحيات أوسع في تدبير البعد الثقافي المحلي، وصون وتوثيق التراث الحساني والشفوي، وتطوير الصناعات الثقافية، وتسيير وتدبير المؤسسات الجهوية، مثل المتاحف ودور الثقافة ومراكز البحث الثقافي، وتعيين مسؤوليها.
وقد يستند هذا التفويض إلى هيكلة مؤسساتية تتضمن برلماناً جهويًا بلجانه الثقافية، ومجلساً جهوياً للثقافة والتراث ضمن رؤية إعادة إحياء المجالس الجهوية للثقافة التي أُحدثت في تسعينيات القرن الماضي، وهيئات للتقييم والمتابعة وتدبير المداخيل المحلية، بما يسمح ببناء سياسة ثقافية محلية منسجمة مع المرجعية الوطنية وقابلة للتكييف حسب خصوصيات الجهة، في حدود ما سيستقر عليه التفاوض بخصوص توزيع السيادة والتفويض.
وتؤمّل الصلاحيات الممنوحة في مجالات التعليم والثقافة والإعلام والشؤون الاجتماعية أن تكون واسعة بما يكفي لحماية الثقافة الحسانية وتعزيز الاندماج، ونقل الهوية الثقافية وحمايتها بفاعلية ضمن فسيفساء ثقافية تعددية.
وتبقى وظيفة حماية الحقوق أساسية، إذ يمكن لمكتب تنسيق إقليمي للملكية الفكرية يعمل تحت إشراف المكتب الوطني (OMPIC) تقديم المساعدة الفنية للمخترعين والمبدعين المحليين، وتسجيل طلبات الإيداع.
وتبين التجارب الدولية أن حماية الهوية الثقافية تشكل المحرك الأساسي لأنظمة الحكم الذاتي، وهو ما يقتضي عناية خاصة بها.
ج – المجال الإعلامي
على مستوى تنظيم الفضاء الإعلامي المحلي واستعمال وسائل الاتصال، تحتفظ الدولة بالصلاحيات السيادية المرتبطة بالقواعد الوطنية المنظمة للقطاع الإعلامي، بما في ذلك دور الهيئات المركزية للضبط مثل “الهاكا” ودفاتر التحملات الوطنية. وفي المقابل، قد يُمنح للجهة هامش موسّع لتدبير المنظومة الإعلامية المحلية، وضمان حرية التعبير، ومنح التراخيص لوسائل الإعلام الجهوية، ودعمها مالياً، وتنظيم الإعلانات، وتدبير التعيينات داخل المؤسسات الإعلامية المحلية.
ويمكن أن يشمل التفويض الجهوي إعداد دفاتر تحملات إعلامية جهوية، ومراقبة الالتزام بها، من خلال هيئة جهوية مستقلة للإعلام تتبع للبرلمان الجهوي، مكلفة بمراقبة الميزانيات، وتتبع التجاوزات المهنية، واعتماد مفاهيم “إعلام القرب” كآلية سياسية وتنموية.
أما في مجال السينما، فيُعدّ دعم الأنشطة الثقافية والفنية في الجهة مسألة ملحة بالنظر إلى التطور الذي يشهده القطاع، مما يستدعي إحداث “لجان الأفلام الجهوية” لتسهيل عمليات التصوير الأجنبي والمحلي، وإدارة صندوق دعم إقليمي مكمّل للدعم الوطني، مع احترام قواعد المركز السينمائي المغربي.
د – الرقميات
تحتفظ الدولة بالصلاحيات السيادية المرتبطة بالأمن السيبراني، وحماية المعطيات الشخصية، والربط الدولي للشبكات، باعتبارها مجالات تتطلب وحدة القرار الوطني. وفي المقابل، قد يُمنح للجهة مجال واسع لتطوير البعد الرقمي، باعتباره أحد الأعمدة المستقبلية للتنمية الاقتصادية للحكم الذاتي، من خلال رقمنة الخدمات المحلية، وتطوير البنية التحتية الرقمية، وتدبير المنصات الجهوية، وتعيين مسؤولي الرقمنة.
كما يُرجَّح أن يشمل التفويض الجهوي إدارة الموارد البشرية الرقمية عبر تعيين مديري الوكالات الرقمية الجهوية، وبناء فرق محلية للهندسة الرقمية. وعلى المستوى المؤسسي، قد يُناط بالبرلمان الجهوي إحداث لجنة للحكامة الرقمية تتولى المصادقة على الخطط الرقمية الجهوية، وتقييم أداء منصات الخدمات الإلكترونية، مع إمكانية تأسيس هيئة جهوية مستقلة للرقمنة والحكومة الإلكترونية.
تدبير الموارد البشرية
وبما أن التصور الحالي للحكم الذاتي ما يزال في مرحلة أولية، يمكن افتراض اعتماد نظام مزدوج لتدبير المناصب العليا، يقوم على الحفاظ على سيادة الدولة في التعيينات المرتبطة بالأمن والقضاء والوظائف الرمزية ذات الطابع الوطني، مقابل منح الجهة صلاحيات موسعة في التعيين داخل المناصب القيادية للقطاعات التربوية والثقافية والإعلامية والرقمية.
وقد يشمل ذلك هندسة واضحة للتعيينات تفصل بين الهيئات المحلية والهيئات السيادية وهيئات الرقابة في كل قطاع. وفي هذا السياق، قد يضطلع البرلمان الجهوي بدور محوري عبر المصادقة على التعيينات، ومراقبة أداء المسؤولين، وإمكانية سحب الثقة، إضافة إلى تقييم السياسات العمومية بناء على تقارير الهيئات المستقلة. وبهذه الصياغة، تتحول عملية التعيين إلى آلية ديمقراطية تعزز التمثيلية الجهوية، وتضمن الشفافية، وتساهم في حماية السيادة الوطنية.
الإشكاليات ومسار المواءمة
تطرح الفرضيات المعروضة هنا إشكالية جوهرية تتعلق بضرورة المرور عبر مرحلة مواءمة مؤسساتية وتشريعية قد تطول أو تقصر، تبعاً لوتيرة التفاعل وآليات الاستجابة من مختلف الأطراف. فتنزيل هذه التصورات عملياً يستوجب توافقات تدريجية، وتعديلات تنظيمية، وقدرة على استيعاب التغيير وضبطه داخل مار تفاوضي متوازن.
الشرعية الدولية وتعزيز قابلية التنفيذ
يمثل التدقيق في عناصر التربية والثقافة والتعليم والرقمنة عاملاً جوهرياً يعزز مسار القبول والشرعية الدولية، لأنه يضمن انسجام النموذج مع المعايير الأممية المتعلقة بحقوق الإنسان والتنمية والهوية الثقافية. وإبراز هذه الاختصاصات كصلاحيات محلية يمنح السكان قدرة فعلية على إدارة شؤونهم، ما يجعل المقترح منسجماً مع تصور الأمم المتحدة للحلول السياسية المستدامة.
ويؤكد المغرب التزامه بالتفاوض بحسن نية وروح بناءة للوصول إلى حل متوافق عليه، مع التعهد بمراجعة الدستور لإدراج نظام الحكم الذاتي وضمان تنفيذه، مما يعزز مصداقية المقترح ويجعله قابلاً للتطبيق وفق المعايير الدولية.
آفاق مغاربية جديدة
إن تطوير الأبعاد المتعلقة بالتربية والثقافة والإعلام والرقميات من شأنه أن يفتح آفاقاً أوسع للوحدة المغاربية، وإعادة بناء الثقة، وتعزيز فرص فتح مرحلة جديدة أمام الدول المغاربية لتحسين علاقاتها داخل فضاء للسلم والاستقرار والتعاون والتنمية.



