
الأستاذ سموح يكتب..عندما يغادر الدفاع قاعة المحكمة… المخاطر والانعكاسات
ذ نورالدين سموح *
ظهرت في الآونة الأخيرة ممارسات مهنية مثيرة للقلق بشأن مستقبل مهنة المحاماة، تمثلت في لجوء بعض السادة المحامين إلى الترافع عبر المنابر الإعلامية أو في الفضاء العام بخصوص ملفات معروضة أو محتمل عرضها على القضاء، سواء كانوا ينوبون فيها أم لا، بدل الاقتصار على الإطار الطبيعي والمشروع للترافع، والمتمثل في قاعة المحكمة وأثناء انعقاد الجلسات الرسمية. وهي ممارسات لا يمكن اختزالها في مجرد تعبير عن الرأي، بل تشكل انحرافا خطيرا عن أصول وأعراف المهنة وضوابطها القانونية والأخلاقية، إن لم تكن الغاية منها احيانا تحقيق الشهرة أو البحث عن زبناء، في مخالفة صريحة للمقتضيات القانونية المنظمة لمهنة المحاماة.
فهذا السلوك، في جوهره، يفهم على أنه محاولة غير مباشرة للتأثير على القضاء قبل صدور الحكم، بل وأحيانا قبل فتح باب المناقشة داخل الجلسة، من خلال توجيه الرأي العام وصناعة قناعة مسبقة حول الوقائع والأطراف. وهو ما يتعارض صراحة مع مبدأ استقلال القضاء وحياده، ويصطدم بمبدأ قرينة البراءة التي تقتضي عدم اعتبار أي شخص مدانا إلا بمقتضى حكم قضائي نهائي صادر عن جهة مختصة.
ولا تقتصر خطورة هذه الممارسات على بعدها الأخلاقي فحسب، بل تجد أساسها في تعارض واضح مع مقتضيات قانونية صريحة. فالقانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة يفرض على المحامي، بموجب المادة 12، الالتزام في جميع تصرفاته، سواء أثناء ممارسته للمهنة اوخارجها، بمبادئ الشرف والاستقامة والنزاهة والكرامة، وهي مبادئ لا تنسجم مطلقا مع تحويل القضايا والملفات القضائية إلى مادة للنقاش الإعلامي أو الاستعراض العمومي.
كما أن واجب التحفظ، المنصوص عليه في المادة 36 من نفس القانون، يلزم المحامي بالامتناع عن كل ما من شأنه الإضرار بسير العدالة أو بحقوق الأطراف، وهو واجب يفرغ من مضمونه متى جرى تداول وقائع الملفات والتعليق عليها خارج قاعة المحكمة. ويزداد الأمر خطورة حين يتعلق الأمر بمعطيات تدخل في نطاق السرية التي تطوق ممارسة مهنة المحاماة، و التي تعتبر، وفق المادة 39، من النظام العام، ولا يجوز المساس بها تحت أي ذريعة كانت.
ومن زاوية أخرى، تفتح هذه الممارسات الباب على مصراعيه أمام التشهير، خاصة حين تستعمل اللغة القانونية لإضفاء مشروعية ظاهرية على اتهامات أو إيحاءات تمس بشرف واعتبار أشخاص لم يصدر في حقهم أي حكم قضائي. وهو ما قد يندرج ضمن الأفعال المجرمة بمقتضى الفصول 442 إلى 447 من القانون الجنائي، وكذا بموجب قانون الصحافة والنشر رقم 88.13، الذي يكرس حماية قرينة البراءة ويمنع تقديم المشتبه فيهم أو المتابعين على أنهم مدانون قبل صدور حكم نهائي.
كما أن قانون المسطرة الجنائية يقوم بدوره على مبدأ سرية البحث والتحقيق، حماية لحسن سير العدالة وضمانا لحقوق الدفاع، وهو مبدأ يفقد معناه وقيمته حين تناقش القضايا ومعطياتها في الإعلام أو أمام الرأي العام، خارج الإطار القضائي والضمانات القانونية المقررة.
إن الخوف كل الخوف أن يؤدي التساهل مع هذه الممارسات اليومية إلى تحويل الملفات القضائية إلى مادة للتشهير والتشهير المضاد، وإلى إفراغ العدالة من هيبتها، وتقويض ثقة المجتمع في القضاء، وتشويه صورة مهنة المحاماة ورسالتها النبيلة. ومن ثم، فإن النأي بمهنة المحاماة عن كل ما من شأنه المساس بأعرافها وتقاليدها العريقة ، و الحفاظ على كرامة الأفراد، وصون قرينة البراءة، واحترام استقلال القضاء ، كل ذلك يفرض وقفة مهنية جادة ومسؤولية جماعية، تعيد الاعتبار لقاعة المحكمة باعتبارها المنبر الوحيد والمشروع للترافع، وتضع حدا لكل خلط بين الترافع القانوني المشروع داخل الجلسة والتواصل الإعلامي عبر الإدلاء بتصريحات دون الدخول في تفاصيل ومعطيات الملف .
(*) محام بهيئة المحامين بالدارالبيضاء



