
لم تكن دسترة اللغة الأمازيغية في دستور 2011 مجرد خطوة رمزية أو تنازل ثقافي ظرفي، بل شكلت تحولا عميقا في تصور الدولة المغربية لهويتها، وانتقالا من منطق الاعتراف المتردد إلى منطق الإلزام الدستوري. فقد حظيت الأمازيغية، في عهد الملك محمد السادس، بعناية ملكية سامية توجت بجعلها لغة رسمية إلى جانب العربية، في انسجام مع التاريخ العميق للمغرب، ومع مبدأ الإنصاف اللغوي والثقافي، ومع رؤية تعتبر التنوع رافعة للوحدة لا نقيضا لها.
غير أن ما تحقق على مستوى النص الدستوري ظل، بعد أكثر من عقد، أكبر بكثير مما تحقق على مستوى السياسات العمومية والممارسة المؤسساتية. فبين وضوح الإرادة الملكية وقوة النص الدستوري، يبرز بطء حكومي مزمن، وتردد إداري، وضعف في الالتزام السياسي، جعل الأمازيغية تعيش مفارقة قاسية: لغة رسمية في الدستور، وهامشية في الواقع.
لقد جاء القانون التنظيمي رقم 26.16 المتعلق بتحديد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ليترجم روح دستور 2011، وليحدد المسؤوليات والآجال والمجالات ذات الأولوية، من التعليم والإدارة والقضاء والإعلام، إلى الجماعات الترابية والفضاء العام. وكان من المفترض أن يشكل هذا القانون نقطة تحول حاسمة تنقل الأمازيغية من دائرة النوايا إلى مجال الفعل العمومي المنظم.
لكن ما حدث لاحقا كشف عن فجوة واضحة بين التشريع والتنزيل. فالمخطط الحكومي المندمج لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، الذي أعلن عنه في أبريل 2021 عقب أول اجتماع للجنة الوزارية الدائمة المكلفة بهذا الورش، ظل أقرب إلى وثيقة توجيهية عامة منه إلى سياسة عمومية ملزمة بأهداف دقيقة ومؤشرات قياس واضحة. ورغم ما تضمنه من برامج ومشاريع، فإن وتيرة التنفيذ ظلت بطيئة، وغير متكافئة بين القطاعات، وأحيانا شكلية.
ويبرز الجانب المالي كأحد أبرز مؤشرات هذا التعثر. فرصد غلاف مالي يناهز مليار درهم لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية كان يمكن أن يشكل نقطة قوة حقيقية، لولا الطريقة التي تم بها تدبير هذا التمويل. إذ جرى إدماجه ضمن صندوق مشترك يضم الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة والأمازيغية، وأسند تدبيره لقطاع الانتقال الرقمي، ما جعل الأمازيغية في أسفل سلم الأولويات، وخاضعة لمنطق تقني لا يستوعب خصوصيتها الثقافية واللغوية.
والأكثر دلالة أن الحكومة لم تصرف، بين سنتي 2022 و2025، سوى حوالي 250 مليون درهم من الاعتمادات المرصودة، أي ربع المبلغ تقريبا. وهو رقم لا يعكس فقط بطء التنفيذ، بل يطرح تساؤلات عميقة حول جدية التعاطي مع ورش دستوري من هذا الحجم، وحول القدرة على تحويل الموارد المالية إلى أثر ملموس داخل المدرسة والإدارة والفضاء العمومي.
وفي قطاع التربية الوطنية، الذي يفترض أن يكون القاطرة الأساسية لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية، تتجلى المفارقة بأوضح صورها. فرغم الخطوة الإيجابية المتمثلة في توظيف حوالي 6400 أستاذ متخصص في تدريس الأمازيغية، بمعدل يقارب ألف أستاذ سنويا، إلا أن واقع الممارسة داخل المؤسسات التعليمية يكشف عن اختلالات بنيوية عميقة.
فالأستاذ المتخصص في الأمازيغية ما يزال يعامل، في كثير من المؤسسات، كعنصر هامشي أو دخيل على المنظومة، ويجبر على البحث عن حصص شاغرة أو مواقيت ميتة لدى زملائه، بدل أن تبرمج مادة الأمازيغية بشكل رسمي ومنظم من طرف الإدارة التربوية، على قدم المساواة مع باقي المواد. وهو وضع لا يمس فقط كرامة المدرس، بل ينسف مبدأ المساواة بين اللغات الرسمية، ويحول تدريس الأمازيغية إلى عبء إداري بدل كونه اختيارا تربويا استراتيجيا.
وتتجاوز اختلالات التفعيل المجال التعليمي لتشمل الثقافة والإبداع، إذ أن دعم الثقافة الأمازيغية في مجالات الفن التشكيلي والموسيقى والمسرح والسينما ما يزال محدودا، وغير قادر على خلق دينامية إنتاج نوعي ومستدام. ويعاني الفنانون والمبدعون الأمازيغ من ضعف الدعم المادي والمعنوي، ومن هشاشة قنوات الترويج والتسويق، ما يحد من انتشار أعمالهم، ويساهم في تهميش تراث ثقافي غني ومتجدد، رغم ما يحمله من إمكانات اقتصادية ورمزية كبيرة.
أما على مستوى الإدارة والجماعات الترابية، فإن ضعف الانخراط في تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية يكاد يكون صارخا. إذ لا تزال اللغة العربية تهيمن بشكل شبه مطلق على المراسلات والاجتماعات والدورات، حتى داخل مجالس جماعية يضم أعضاؤها في غالبيتهم أمازيغ. وهو واقع يطرح سؤال الافتخار بالهوية، واحترام روح الدستور، والقدرة على تحويل الانتماء الثقافي إلى ممارسة مؤسساتية يومية.
وتعد تجربة الترجمة الفورية للأمازيغية داخل البرلمان مثالا آخر على هذا التناقض. فرغم كونها خطوة منتظرة وضرورية، إلا أنها جاءت في كثير من جوانبها ارتجالية، دون مسار انتقائي شفاف، ودون استحضار كاف لمعايير التكوين والكفاءة المهنية في مجال الترجمة الفورية. وهو ما دفع عددا من الفعاليات الأكاديمية الأمازيغية إلى اعتبارها إجراء شكليا، أقرب إلى ملء الفراغ أو ذر الرماد في العيون، في ظل غياب مخطط حكومي شامل وواضح لتفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية داخل المؤسسة التشريعية وباقي المؤسسات الدستورية.
إن الإشكال الجوهري في ملف الأمازيغية لا يكمن في غياب النصوص أو ضعف المرجعية، بل في غياب الإرادة السياسية الواضحة، وفي استمرار التعامل مع الأمازيغية كملف ثقافي ثانوي، لا كورش استراتيجي مرتبط بالديمقراطية والعدالة اللغوية وجودة السياسات العمومية.
فالدستور كان واضحا، والإرادة الملكية الشريفة كانت حاسمة، لكن الحكومة، بمختلف مكوناتها، لم تنجح بعد في الارتقاء إلى مستوى هذا الاختيار التاريخي.
إن تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية ليس مطلبا فئويا ولا قضية هوية ضيقة، بل رهان وطني يعكس مدى احترام الدولة لدستورها، وقدرتها على إدارة تنوعها، وبناء مواطنة كاملة لا تقاس بلغة واحدة ولا بثقافة واحدة. ومن دون انتقال حقيقي من منطق الإعلان إلى منطق الالتزام، ستظل الأمازيغية حبيسة النصوص، وسيظل الدستور، في هذا الباب، بلا تنزيل.



