
خيا يكتب.. غارة اجبيلات :بين هندسة الفشل واستراتيجية التضليل
نفعي خيا
في سياق البحث الدائم عن معجزة اقتصادية تخرج البلاد من نفق التبعية للمحروقات، تطفو على السطح بين الحين والآخر مشاريع عملاقة تلبس ثوب الحلول الاستراتيجية. وفي مقدمة هذه المشاريع اليوم يأتي منجم غار جبيلات للحديد، الذي يسوق له النظام الجزائري باعتباره “مشروع القرن” ومنقذ الاقتصاد من براثن الريع النفطي. لكن التحليل المتعمق، بمنظور الاقتصاد السياسي والجيوبوليتيك، يكشف أن هذا المشروع يمثل حالة دراسية نموذجية في سوء إدارة الموارد الوطنية، وليس أكثر من محاولة يائسة لخلق وهم تنموي يعوض فشل سياسات اقتصادية متعاقبة.
تبدأ مأساة المشروع من حيث يفترض أن تبدأ قوته: من طبيعة المورد الجيولوجي. فخام حديد غار جبيلات ليس من النوعية التجارية الجيدة، بل هو من النوع الأوليثي ذي المواصفات المتدنية. تشير التقارير الفنية إلى أن نسبة الحديد فيه تتراوح بين 58% و62% فقط، مقارنة مع 65% فما فوق في مناجم البرازيل وأستراليا، المنافسين الرئيسيين في السوق العالمية. هذه النسبة المتواضعة تعني حجماً أكبر من الصخور يجب استخراجه ومعالجته للحصول على طن واحد من الحديد الصافي، مما يرفع تكاليف التشغيل بشكل ملحوظ.
التحدي الأكثر خطورة يكمن في التركيب الكيميائي للخام، حيث تصل نسبة الفوسفور إلى حوالي 0.8%، وهي نسبة عالية تجعل الخام غير صالح للاستخدام المباشر في الصناعات الحديثة دون معالجة مكلفة. عملية نزع الفسفرة تتطلب تقنيات متقدمة وتستهلك كميات كبيرة من الطاقة والمياه، وتضيف ما بين 25 و35 دولاراً إلى تكلفة الطن الواحد. هذا العيب البنيوي في الخام كان كافياً وحده لجعل المشروع غير مجدٍ اقتصادياً لعقود طويلة، وهو ما يفسر سبب بقاء هذا الاحتياطي الضخم غير مستغل منذ اكتشافه في خمسينيات القرن الماضي.
المشكلة الثانية، والأكثر تعقيداً، هي لعنة الجغرافيا. يقع المنجم في أقصى الجنوب الغربي الجزائري، في منطقة تندوف النائية، على بعد يقارب 1600 كيلومتر من أقرب ميناء تصدير على الساحل الشمالي. هذه المسافة الشاسعة عبر صحراء قاحلة تشكل تحدياً لوجستياً لا يمكن تجاوزه اقتصادياً. الحل الذي تبنته الحكومة الجزائرية هو بناء خط سكة حديدي بطول 950 كيلومتراً، لكن هذا الحول نفسه تحول إلى مشكلة كبرى. كلفة إنشاء هذا الخط تجاوزت 15 مليار دولار، وهو استثمار ضخم في بنية تحتية أحادية الغرض، ترفع التكلفة الثابتة للمشروع إلى مستويات فلكية.
عند إجراء الحسابات الاقتصادية البسيطة، تظهر الصورة الكاملة للكارثة. تكلفة استخراج طن الخام ومعالجته ونقله إلى الميناء تقترب من 90 إلى 100 دولار. بالمقارنة، فإن تكلفة إنتاج ونقل الطن الواحد من الخام الأسترالي عالي الجودة إلى الأسواق الآسيوية لا تتعدى 35 دولاراً. هذه الفجوة السعرية الهائلة، البالغة حوالي 65 دولاراً للطن، تجعل المنتج الجزائري غير قادر على المنافسة في سوق عالمية تتميز بشفافية عالية وهامش ربح ضيق.
هذه الأرقام تنسف الادعاءات الرسمية التي تتحدث عن إيرادات سنوية تصل إلى 15 مليار دولار. فلنأخذ سيناريو واقعياً: لو استطاع المشروع، بعد سنوات من الجهد والاستثمار، أن يصل إلى إنتاجية 20 مليون طن سنوياً (وهو رقم تفاؤلي جداً)، وبسعر بيع عالمي يبلغ 100 دولار للطن، ستكون الإيرادات الإجمالية ملياري دولار فقط. هذا المبلغ لا يغطي حتى فوائد القروض التي قد تطلب لتمويل المشروع، ناهيك عن استرداد رأس المال المستثمر المقدر بعشرات المليارات. بالمقارنة مع إيرادات قطاع المحروقات التي تبلغ حوالي 30 مليار دولار سنوياً، يبدو العائد المتوقع من جبيلات هامشياً وضعيفاً.
المثير للريبة في هذه القصة هو التوقيت السياسي للضجة الإعلامية المحيطة بالمشروع. فالدعاية المكثفة له تتزامن مع فترة تشهد تراجعاً في الدور الإقليمي للجزائر، وزيارة دبلوماسية أمريكية رفيعة المستوى بحثت موضوع التعاون في مجال الطاقة. في هذا السياق، يبدو المشروع كمحاولة لاستعادة المبادرة الجيوسياسية عبر تقديم “ورقة ضغط” اقتصادية وهمية. النظام الجزائري، الذي يعاني من أزمات اقتصادية داخلية وتآكل تدريجي لنفوذه الخارجي، يحاول تقديم جبيلات كمغناطيس لجذب الاستثمارات والاهتمام الغربي، متجاهلاً الحسابات الاقتصادية الأساسية التي تثبت عدم جدوى المشروع.
هذا النهج يعكس إفلاساً في الرؤية الاستراتيجية، حيث تلجأ النخبة الحاكمة إلى مشاريع ضخمة ذات رموز سياسية فارغة كبديل عن الإصلاحات الهيكلية الحقيقية. بدلاً من معالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد، وتحديث قطاع المحروقات، وتنمية الصناعات التحويلية، وخلق بيئة جاذبة للاستثمار، يتم اختيار مسار الهروب إلى الأمام عبر الإنفاق على أوهام كبرى.
في الجانب الآخر من الحدود، يقدم النموذج المغربي رؤية تنموية مختلفة جذرياً. فبدلاً من الرهان على المواد الخام، اختارت الرباط مسار التحول إلى اقتصاد إنتاجي قائم على القيمة المضافة والاندماج في سلاسل التوريد العالمية. لقد فهمت النخبة المغربية أن الثروة في القرن الحادي والعشرين لم تعد تُقاس بكمية الموارد في باطن الأرض، بل بقدرة الدولة على خلق بيئة جاذبة للاستثمارات ذات التقنية العالية.
النتائج على الأرض تتحدث عن نفسها. فالمغرب، رغم فقره النسبي في الموارد الباطنية مقارنة بجاره، نجح في تحويل نفسه إلى مركز إقليمي للصناعات التحويلية. في قطاع السيارات، أصبح المغرب أول مصدر في أفريقيا، حيث قُدرت صادراته بما يزيد عن 14 مليار دولار عام 2023، من خلال جذب استثمارات كبرى من عمالقة الصناعة العالمية. ميناء طنجة المتوسط تحول إلى محور لوجستي عالمي، تجاوزت حركته 8 ملايين حاوية مكافئة، متفوقاً بذلك على مجموع حركة الحاويات في كل الموانئ الجزائرية مجتمعة.
المؤشرات الاقتصادية الكلية تظهر التفوق الواضح للنموذج المغربي. فبينما تعاني الجزائر من عجز هيكلي في الميزان التجاري غير النفطي، وتواجه تراجعاً مستمراً في احتياطياتها من العملة الصعبة التي تقلصت إلى حوالي 60 مليار دولار، يسجل المغرب فائضاً في ميزانه التجاري غير الفوسفاطي، وتجاوزت احتياطياته الرسمية 36 مليار دولار. هذه الأرقام تعكس ثقة المستثمرين في استقرار الاقتصاد المغربي وقدرته على الاندماج في المنظومة الاقتصادية العالمية.
الفارق الجوهري بين النموذجين يكمن في الرؤية الاستراتيجية. فالمغرب يبني اقتصاده على أساس الإنتاج والتصدير، ويربط نفسه بشبكات القيمة العالمية، بينما تظل الجزائر حبيسة نموذج الريع، تحاول في أحسن الأحوال تصدير المواد الخام بأقل هامش ربح ممكن. مشروع غار جبيلات ليس سوى استمراراً لهذا النهج الفاشل، بل هو أسوأ أشكاله، لأنه يستثمر مليارات الدولارات في مورد من الدرجة المتدنية، وفي موقع جغرافي يجعل تكاليف الإنتاج باهظة.
الخلاصة الحتمية هي أن مشروع غار جبيلات محكوم عليه بالفشل الاقتصادي منذ لحظة التخطيط له. إنه ليس خطأ تقنياً أو سوء تقدير مالي عابر، بل هو تعبير عن أزمة بنيوية في النموذج التنموي الجزائري. ثقافة المشاريع الضخمة ذات الرمزية السياسية تغلب على منطق الاستثمارات الذكية التي تخلق فرص عمل حقيقية وتدمج الاقتصاد في المنظومة العالمية. في الوقت الذي يبني فيه الجار المغرب مستقبله على أسس متينة من الإنتاجية والانفتاح، تختار الجزائر الغرق في مستنقع مشروع أثبتت الجيولوجيا والجغرافيا والاقتصاد استحالة نجاحه. التاريخ الاقتصادي لا يرحم مثل هذه التجارب، وسيذكر غار جبيلات ليس كمشروع للقرن، بل كمقبرة للموارد الوطنية ودرساً قاسياً في سوء إدارة الثروات.
(*) باحث في سلك الدكتوراه



