
غابة 33 بالمحمدية.. من يحاسب المسؤولين عن عقود من الإهمال؟
لم تعد التطورات الخطيرة التي تكشف عنها العمليات الأمنية بغابة 33 بضواحي المحمدية مجرد قضية مرتبطة بجريمة جنائية هزت الرأي العام، بعد العثور على جثتي شابين، وما رافق ذلك من معطيات حول وجود أوكار عشوائية وأنشطة مشبوهة ومواد مخدرة. فقد أعادت هذه الأحداث إلى الواجهة سؤالاً جوهرياً يتعلق بمسؤولية المؤسسات والجهات المكلفة بحماية هذا المجال الغابوي ومراقبته، وكيف أمكن أن تتحول منطقة يفترض أن تكون فضاءً طبيعياً آمناً إلى مجال تثير وضعيته كل هذه المخاوف.
إن المسؤولية الجنائية عن الجرائم المرتكبة تبقى من اختصاص القضاء، الذي يتعين عليه تحديد المتورطين وكشف جميع ملابسات القضية، لكن ذلك لا ينبغي أن يحجب مسؤولية أخرى ذات طبيعة إدارية وتدبيرية. فمن حق الرأي العام أن يتساءل عن دور السلطات المحلية، من قيادات وباشويات وعمالة، في مراقبة ما يحدث داخل هذا المجال، وعن مدى علمها بانتشار الأكواخ والخيام العشوائية والأنشطة غير القانونية، ومدى قيامها بواجب التنسيق والتدخل مع المصالح الأمنية والقطاعات المعنية.
كما تطرح هذه التطورات علامات استفهام كبيرة حول دور المصالح المكلفة بتدبير القطاع الغابوي، باعتبارها الجهات المعنية بحماية الملك الغابوي ومراقبة استغلاله والتصدي للاحتلالات والتجاوزات التي تطاله. فحماية الغابة لا تقتصر على المحافظة على الأشجار والغطاء النباتي، بل تشمل أيضاً ضمان سلامة المجال ومنع تحوله إلى فضاء خارج المراقبة. ويكتسب هذا السؤال أهمية إضافية بالنظر إلى أن المنطقة سبق أن كانت موضوع تساؤلات برلمانية بشأن الرعي الجائر والأضرار التي تتعرض لها، وهو ما يستدعي العودة إلى التقارير والمراسلات السابقة لتحديد طبيعة التدخلات المنجزة.
والأكثر إثارة للقلق أن المعطيات المتداولة بشأن الحملات الأمنية الأخيرة، وما رافقها من عمليات هدم أوكار عشوائية وحجز مواد ممنوعة ومعدات متخلى عنها، توحي بأن الأمر قد يتجاوز اختلالات طارئة أو حديثة الظهور. فإذا كانت هذه المظاهر قد استمرت لفترة طويلة، فمن يتحمل مسؤولية عدم معالجتها في الوقت المناسب؟ وهل كانت هناك عمليات مراقبة منتظمة؟ وهل سبق للسلطات المحلية والمصالح الغابوية أن رفعت تقارير بشأن الوضع؟ أم أن التدخلات ظلت موسمية ومحدودة الأثر، دون اعتماد استراتيجية مستدامة لحماية المنطقة؟
إن المطلوب اليوم لا يقتصر على مواصلة التحقيق القضائي وملاحقة المتورطين، بل يستوجب أيضاً فتح تقييم إداري ومؤسساتي شامل، يشمل تدبير الغابة خلال السنوات الماضية، والوقوف على مدى احترام مختلف المتدخلين لاختصاصاتهم القانونية، مع الكشف عن التقارير والمحاضر والملتمسات المتعلقة بالوضع الأمني والبيئي داخلها. كما يتعين وضع برنامج دائم للمراقبة والتدخل، وإعادة تأهيل هذا الفضاء الغابوي بما يضمن حمايته واستعادة وظيفته البيئية والترفيهية لفائدة الساكنة.
إن فاجعة غابة 33 يجب ألا تتحول إلى مجرد خبر عابر تنتهي تداعياته بانتهاء الحملة الأمنية. فالمحاسبة لا ينبغي أن تتوقف عند من ارتكبوا الجرائم، بل يجب أن تمتد، وفق القانون ونتائج التحقيقات، إلى تحديد أوجه التقصير المؤسساتي إن ثبت وجودها. فالسؤال الذي ينتظر المغاربة جواباً واضحاً عنه هو: كيف أمكن أن تتراكم كل هذه الاختلالات في مجال غابوي خاضع لاختصاصات مؤسسات معلومة؟ ومن كان مسؤولاً عن مراقبته وحمايته طوال العقود الماضية؟



