
الندوي: الدبلوماسية المغربية مطالبة بالانتقال من تدبير نزاع الصحراء إلى إعادة ترتيب وضعه الأممي
أكد الدكتور محسن الندوي، رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية، أن قضية الصحراء المغربية دخلت مرحلة مفصلية في ظل التحولات الجيوسياسية والدبلوماسية المتسارعة، مشددا على أن المرحلة الراهنة تفرض على الدبلوماسية المغربية الانتقال من منطق تدبير النزاع والدفاع عن المكتسبات إلى مرحلة المبادرة الاستراتيجية، بما يضمن تحصين الوحدة الترابية للمملكة وتثبيت أفق الحل السياسي القائم على مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وأوضح الندوي، في مقال رأي نشرته جريدة «مدار21»، أن التحولات الدولية وتغير مواقف عدد من القوى الكبرى، إلى جانب تطور النقاش داخل مجلس الأمن، أفرزت معطيات جديدة لم تعد تسمح بالتعامل مع هذا الملف بالمنطق الدبلوماسي التقليدي الذي طبع مساره لعقود. واعتبر أن النقاش لم يعد مقتصرا على تجديد ولاية بعثة المينورسو أو إنهاء مهامها، بل أصبح يطرح تساؤلات أعمق بشأن مستقبل الإطار الأممي الذي ظل يؤطر القضية ومدى ملاءمته للتحولات السياسية الجديدة.
وأشار المتحدث إلى أن جلسة مجلس الأمن المنعقدة في 30 أكتوبر 2026 كشفت عن تباين واضح في مواقف القوى الكبرى، بعدما اصطدم مشروع القرار الأمريكي بفيتو روسي، في حين لم يحصل المشروع الروسي البديل على الأصوات التسعة المطلوبة لاعتماده، معتبرا أن هذه التطورات تعكس تعقيدات التوازنات الدولية وتداخل الاعتبارات الجيوسياسية مع تدبير الملف.
وأضاف الندوي أن الموقف الروسي لا يمكن اختزاله في معارضة الموقف المغربي، بل يرتبط بحسابات أوسع تتصل بطبيعة النفوذ داخل مجلس الأمن والعلاقات الاستراتيجية لموسكو، فضلا عن تحفظها على ما تعتبره انفرادا أمريكيا بتوجيه المسار الأممي. وشدد على ضرورة قراءة نتائج التصويت من منظور استراتيجي، واستثمار التحولات التي أفرزتها في بناء تصور دبلوماسي واضح للمرحلة المقبلة.
وفي السياق ذاته، اعتبر رئيس المركز المغربي للدراسات الاستراتيجية والعلاقات الدولية أن استمرار بعثة المينورسو، التي أنشئت سنة 1991 في سياق خطة تسوية ارتبطت بتنظيم استفتاء لم يتم تنفيذه، يطرح سؤالا جوهريا حول مدى ملاءمة مهامها الحالية بعد مرور أكثر من ثلاثة عقود. ودعا إلى طرح إمكانية إنهاء مهام البعثة بصيغتها الحالية، واستكمال الترتيبات الضرورية لمغادرتها، بما يفتح المجال أمام تصور جديد ينسجم مع تطورات الملف ومرجعية الحكم الذاتي.
وأكد الندوي أن إنهاء مهام المينورسو لا يعني التخلي عن التسوية السياسية أو التوجه نحو الخيار العسكري، مبرزا أن المغرب يظل متمسكا بالحل السلمي والتعاون مع الأمم المتحدة في أي مسار جاد يحترم ثوابته الوطنية. كما أشار إلى إمكانية إحداث آلية أممية محددة الاختصاصات والمدة الزمنية لمواكبة التسوية السياسية وتتبع تنفيذ الترتيبات المتفق عليها، دون إعادة إنتاج الاختلالات المرتبطة بالبعثة السابقة.
ودعا المتحدث، في هذا الإطار، إلى توسيع المبادرة المغربية لتشمل إعادة ترتيب الوضع الأممي للقضية، من خلال فتح نقاش مؤسساتي بشأن استمرار إدراجها ضمن جدول أعمال مجلس الأمن، والعمل على مراجعة وضع الإقليم ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، عبر المسارات المعتمدة داخل الجمعية العامة ولجنة الأربعة والعشرين واللجنة الرابعة.
وأوضح أن هذا التوجه يستدعي إعداد مذكرة قانونية وسياسية متكاملة، وتكثيف المشاورات مع الدول المؤثرة والمجموعات الإقليمية، بهدف بناء دعم دولي لمراجعة الأطر الأممية القائمة، والانتقال من تدبير نزاع ارتبط بخطة الاستفتاء إلى مواكبة مسار سياسي جديد قوامه مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
وفي ما يتعلق بالتحولات الجيوسياسية، شدد الندوي على أهمية تنويع الشراكات الدولية وتعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة وروسيا والصين، إلى جانب توطيد الحضور المغربي في إفريقيا والعالم العربي وأوروبا، مؤكدا أن هذه الشراكات ينبغي أن تقوم على المصالح المتبادلة وألا تكون على حساب استقلال القرار الوطني أو السيادة المغربية.
كما حذر من تحويل الأقاليم الجنوبية إلى مجال للتنافس العسكري بين القوى الكبرى، معتبرا أن أي تعاون أمني أو عسكري مع الشركاء الدوليين يجب أن يظل خاضعا للقرار السيادي المغربي والمصالح الوطنية العليا.
وخلص الندوي إلى أن نجاح المرحلة المقبلة يقتضي تعزيز المكتسبات الدبلوماسية بمشاريع تنموية واقتصادية ملموسة في الأقاليم الجنوبية، وتطوير الخطاب القانوني والسياسي بشأن الحكم الذاتي، بالتوازي مع الانفتاح على الجزائر وتجاوز التوتر المغاربي، مبرزا أن المبادرات المغربية لا تستهدف أي طرف، وإنما ترمي إلى إنهاء نزاع طال أمده وفتح آفاق جديدة للتعاون الإقليمي والاستقرار.
وأكد أن الرهان الاستراتيجي اليوم يتمثل في الانتقال من مجرد تدبير الوضع القائم إلى المبادرة بإعادة ترتيبه، مع التمسك بالتسوية السلمية وصون السيادة الوطنية، باعتبارها المنطلق الأساسي لكل الخيارات المرتبطة بمستقبل الأقاليم الجنوبية للمملكة.



