أقلام و آراءالواجهة

الحركة الأمازيغية بين المسؤولية التاريخية ومزالق الخطاب المتعسّف: قراءة نقدية في ادعاءات عبد الخالق كلاب

يوسف ألمير

منذ بروزها كحركة تصحيحية تتبنى الفعل المدني والثقافي في المشهدالمغربي المعاصر، اتسمت الحركة الأمازيغية بوضوح في المرجعية، وثبات في المطالب، وانضباط في المنهج. لقد أسّست هذه الحركة، منذ أواخر ثمانينيات القرن الماضي، خطابًا نضاليًا جامعًا، يزاوج بين الترافع الميداني، والعمل المؤسساتي، والتأطير الفكري، واضعة نصب أعينها هدفًا مركزيا يتمثل في تحقيق العدالة اللغوية والثقافية، ورفع التهميش التاريخي عن الأمازيغية باعتبارها صلب وأس الهوية المغربية.

لقد راكمت الحركة الأمازيغية، عبر عقود من العمل الدؤوب، مكتسبات ملموسة، كان أبرزها الاعتراف الدستوري باللغة الأمازيغية كلغة رسمية إلى جانب العربية (دستور 2011)، وإحداث المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وإدماج الأمازيغية في النظام التعليمي والإعلام العمومي. وهي مكتسبات لم تأت صدفة، بل نتيجة تراكمات فكرية ونضالية، غالبًا ما تمت في ظل إكراهات بنيوية، وسياقات سياسية غير مواتية.

غير أن هذه الدينامية الواعية والمُؤسَّسة، أصبحت في الآونة الأخيرة موضوع استهداف من طرف بعض الأصوات التي تحاول، إما بخلفيات أيديولوجية أو بنزعات انتقامية شخصية، أن تبخّس هذا المسار وتشكك في نبل دوافعه. ومن بين هذه الأصوات، يبرز خطاب السيد عبد الخالق كلاب، الذي يبدو أنه اختار، عمدا، التموقع في موقع الخصومة مع الحركة الأمازيغية، من خلال مقالات وتصريحات تتسم بالتسرع في الأحكام، والافتقاد للعمق المنهجي، والانزياح عن الموضوعية المفترضة في أي نقاش فكري رصين.

أولًا: خطاب غير مؤسس معرفيًا

إن المتأمل في خطاب عبد الخالق كلاب يلاحظ، منذ الوهلة الأولى، هيمنة نزعة استعلائية توحي بامتلاك “الحقيقة المطلقة” حول تاريخ المغرب عموما والحركة الأمازيغية خاصة، في تغييب تام للمنهج النقدي النزيه، وللشروط الأكاديمية التي تفرض على الباحث أو الكاتب الإلمام بالسياقات، وتحري التوثيق، وتجنّب الأحكام المُسبقة.

إن الادعاء بـ”تفكيك” أو “فضح” الحركة الأمازيغية لا يُعد في حد ذاته مشروعًا نقديًا، ما لم يكن مؤسسًا على قواعد التفكير العلمي، ومستندًا إلى معطيات دقيقة قابلة للتحقق. أما الاكتفاء بإطلاق التهم، والإيحاء بوجود “مؤامرات داخلية”، أو “تهديدات” مزعومة لسلامة الأفراد، فهو منزلق خطير يفتقر إلى الأدلة، ويمس بمصداقية المتحدث قبل أن يسيء إلى الجهة المستهدفة.

ثانيًا: التناقض والارتباك كشاهد على غياب النضج النقدي

في إحدى محاولاته لتدعيم خطابه، لجأ عبد الخالق كلاب إلى استدعاء “شهادة” ادّعى أنها تؤيد أطروحته في ضرب الرموز، غير أن هذه الشهادة سرعان ما تحوّلت إلى صمت مُطبق، ما يكشف حالة من الارتباك والتناقض، لا يمكن أن تندرج ضمن ممارسة فكرية رصينة، بل تعكس أسلوبًا انتقائيًا قائمًا على التوظيف السياقي والابتزاز الرمزي.

إن اللجوء إلى “الممحاة” لمسح الآثار لا يُخفي الحقيقة، بل يفضح هشاشة البناء الحجاجي للخطاب. فغياب التماسك، وانعدام الدقة، والتقلب في المواقف، كلها مؤشرات على غياب النضج الفكري، الذي يُفترض في أي تحليل نقدي أن يكون محكوما به.

ثالثًا: الدفاع عن الحركة لا يعني تأليهها

لا أحد يزعم بأن الحركة الأمازيغية – كأي مشروع اجتماعي – لا تعرف تناقضات داخلية أو اختلافات في الرؤى. غير أن النقد من داخلها يظل مشروعًا ومرحبًا به، شريطة أن يكون من موقع المسؤولية، والمعرفة الدقيقة بتعقيدات المسار، واحترام رموز التجربة، بدل الانتقاص منهم أو التشكيك في نياتهم. فالتمييز ضروري بين النقد البناء الذي يعزز التطوير، والنقد الهدّام الذي يُستخدم كأداة لتصفية الحسابات أو لتحقيق مجد شخصي زائف.

من أجل استعادة أفق النقاش النزيه

إن السؤال الذي يفرض نفسه هو: متى شكّلت الحركة الأمازيغية تهديدًا لسلامة الأفراد، كما يروّج لذلك خطاب كلاب؟ وهل يمكن تقديم حالة واحدة موثّقة تؤكد هذا الادعاء؟ أم أن المسألة لا تعدو كونها محاولة لصناعة الإثارة عبر خطاب الضحية، وتسويق صورة مزيفة لتيار نضالي سلمي أثبت، تاريخيًا، التزامه بالقيم الديمقراطية، والعدالة الثقافية، وحقوق الإنسان؟

إن مسؤولية الكلمة، خصوصًا في زمن التواصل الرقمي المفتوح، تقتضي مزيدًا من الحذر، لأن من يزرع الشك بلا دليل، يساهم عن قصد أو عن جهل في اغتيال الحقيقة، ويمنح خصوم التنوع الثقافي فرصة للنيل من إحدى أهم تجارب النضال السلمي في المغرب المعاصر.

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button