أقلام و آراءالواجهة

الاستثمار الأخضر والتنمية المستدامة في درعة تافيلالت: رهانات العدالة المجالية

ذ. نور الدين سموح *

يشهد المغرب تحولات تنموية متسارعة، يقودها جلالة الملك محمد السادس برؤية استباقية تدرج الاستثمار الأخضر والتنمية المستدامة ضمن أولويات النموذج التنموي الجديد. وتأتي هذه الرؤية في سياق مواجهة تحديات متفاقمة مرتبطة بالتغيرات المناخية، والتفاوتات الاجتماعية، والضغوط الاقتصادية، ما يستدعي نموذجاً تنمويا يوازن بين حماية البيئة وتحفيز النمو الشامل، ويضمن توزيعا عادلا للثروات وتقليص الفوارق المجالية.

وقد مثلت مشاريع كبرى، كـ”مجمع نور ورزازات” للطاقة الشمسية – الذي يعد أحد أكبر المركبات الشمسية في العالم بطاقة إنتاجية تفوق 580 ميغاواط خطوة رائدة في ترسيخ السيادة الطاقية للمملكة والانخراط في الانتقال إلى اقتصاد منخفض الكربون. غير أن أثر هذه الديناميات الوطنية على جهة درعة تافيلالت، المصنفة ضمن أكثر الجهات هشاشة (بمعدل فقر بلغ 14.6% حسب المندوبية السامية للتخطيط)، لا يزال دون التطلعات، مما يطرح بإلحاح سؤال العدالة المجالية وفعالية تنزيل السياسات البيئية في الجهة الثامنة .

ثروات طبيعية وكفاءات بشرية غير مفعلة :

تتوفر جهة درعة تافيلالت على ثروات طبيعية ومعدنية وطاقية كبيرة، تشمل معادن مثل الفضة والنحاس …، إضافة إلى الرخام ، فضلا عن أعلى نسبة إشعاع شمسي في المملكة (أكثر من 3,000 ساعة سنويا في بعض المناطق). ورغم هذه المؤهلات، فإن الاستثمارات في القطاعات المنجمية والطاقية ما تزال محدودة وغير مستدامة بيئيا ، نتيجة ضعف البنيات الأساسية وغياب شروط العمل اللائق، وغياب منظومة صناعية لتحويل المواد الخام محليا .

أما الجالية المنحدرة من الجهة – والتي تشكل نسبة معتبرة من المغاربة المقيمين بأوروبا – فتضطلع بدور حيوي في تمويل الأسر والمبادرات الفردية، إذ تشير تقديرات غير رسمية إلى أن تحويلاتهم السنوية نحو الإقليم تجاوزت 1.2 مليار درهم سنة 2022. ومع ذلك، تظل مساهماتهم محصورة في البعد التضامني، في غياب آليات مؤسساتية لاستثمارها في مشاريع إنتاجية مستدامة، مما يحرم الجهة من رافعة مالية وبشرية استراتيجية.

رأسمال بيئي وثقافي وسياحي غير مستثمر:

تشكل جهة درعة تافيلالت خزانا بيئيا وثقافيا فريدا، بما تضمه من واحات تمتد على أكثر من 140,000 هكتار، ومن قصبات ومواقع أثرية مصنفة كقصبة آيت بن حدو بوارزازات ، والقصبات الممتدة على ضفاف وادي اغريس وزيز والرمال الذهبية في مرزوكة وزاكورة والمناظر الخلابة للجبال الشاهقة ، صاغرو، بوكافر، العياشي وبادو …..،فضلا عن الواحات الشاسعة الدائمة الخضرة ،مما يجعل الجهة من خلال هذا التنوع الطبيعي مؤهلة لقيادة نموذج للسياحة البيئية والثقافية المستدامة. غير أن ضعف التثمين وغياب رؤية مندمجة للترويج والتنمية السياحية، إلى جانب تدهور بعض المنظومات الواحية بسبب التغير المناخي واستنزاف الموارد المائية، يحد من قدرة الجهة على تحويل هذه المؤهلات إلى رافعة تنموية خضراء.

تعاونيات ومجتمع مدني… إمكانات معطلة:

رغم أن الجهة عرفت إرتفاعا في عدد التعاونيات، الذي بلغ نحو 5,700 تعاونية لحدود سنة 2023 حسب معطيات مكتب تنمية التعاون، فإنها لا تزال تمثل أقل من 5% من النسيج التعاوني الوطني، ما يعكس ضعف الدعم المؤسسي، وغياب المواكبة و التأطير التقني والمالي المستدام. ورغم أن قطاع التمور والمنتجات المحلية (مثل الزعفران والعسل) يوفر إمكانات كبيرة للتثمين البيئي والاجتماعي، فإن المبادرات التعاونية في هذا المجال لا تزال مجزأة وتواجه صعوبات في التسويق والتمويل.

أما المجتمع المدني، ورغم ديناميته الملحوظة خاصة في قطاعات البيئة والتعليم والنساء، فلا يزال يفتقر إلى الاعتراف المؤسسي والدعم العمومي المنتظم، ولا يشرك بالشكل الكافي في بلورة وتنفيذ السياسات الترابية، كما أن تأهيل المنتخبين المحليين والمؤسسات الجهوية يبقى محدودا ، حيث تسجل الجهة خصاصا في البرامج التكوينية المستمرة وفي كفاءة الفاعلين المحليين، بشكل يعيق ممارسة حكامة ترابية ناجعة.

من ضعف الحكامة إلى الحاجة لنموذج جهوي منصف:

إن بطء وتشتت تنزيل السياسات العمومية المرتبطة بالانتقال الأخضر في الجهة يرجع إلى غياب التنسيق بين القطاعات، واستمرار المقاربة المركزية في اتخاذ القرار، وضعف حكامة المشاريع الترابية. فرغم اعتماد الميثاق الوطني للاتمركز الإداري وتوسيع اختصاصات الجهات بموجب القانون التنظيمي 111.14، لم تفعل بعد آليات نقل الاختصاصات والتمويلات بفعالية إلى الجهات، ما يكرس التفاوت بين الطموح التنموي والواقع المجالي.

وفي الختام فان ريادة المغرب في مجال التنمية المستدامة لن تكتمل ما لم تضمن عدالة مجالية فعلية، تتيح للجهات الهشة، وفي مقدمتها درعة تافيلالت، الاستفادة من الفرص الاستثمارية الخضراء والولوج العادل إلى الموارد والبرامج الوطنية. ويتطلب ذلك تعبئة العقار، خاصة في ظل إشكالية الأراضي السلالية التي تعرقل المشاريع، وفك العزلة الطرقية والرقمية برا وجوا ، وتثمين الرأسمال الطبيعي والبشري، وتأهيل الفاعلين المحليين، وتعزيز أدوار الجالية والمجتمع المدني والتعاونيات. فالتنمية المستدامة ليست شعارا بيئيا فقط، بل مشروعا مجتمعيا يعيد الاعتبار لكل جهات الوطن، ويجعل من العدالة والمشاركة والنجاعة أسسا لبناء مستقبل أخضر ومنصف تفاديا لهدر الزمن التنموي .

* محام بهيئة الدار البيضاء

مقالات مشابهة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Back to top button