
ذ. نورالدين سموح *
يخلد المغرب في العاشر من غشت من كل سنة اليوم الوطني للمهاجر وهو موعد أقرته الدولة سنة 2003 بتعليمات ملكية سامية ليكون إطارا مؤسساتيا ورمزيا للتواصل مع أفراد الجالية المغربية المقيمة بالخارج والإنصات لانشغالاتهم وتثمين مساهماتهم في التنمية الوطنية وقد تحول هذا اليوم منذ إقراره إلى محطة سنوية يلتقي فيها ممثلوا المؤسسات العمومية والفاعلون الترابيون والمجتمع المدني مع أبناء الوطن المقيمين في مختلف بقاع العالم في حوار مفتوح حول سبل تعزيز الروابط مع الوطن الأم وتيسير اندماجهم في مسارات التنمية الاقتصادية والاجتماعية.
إن تخليد هذا اليوم لا ينبغي أن يقتصر على بعده الاحتفالي بل يتعين أن يكون أداة عملية لترجمة الإرادة الوطنية في جعل قضايا المهاجرين في صلب السياسات العمومية فهو مناسبة للتأكيد على أهمية الدور الاقتصادي للجالية التي بلغت تحويلاتها المالية نحو المغرب أرقاما قياسية تجاوزت 115 مليار درهم سنة 2024 مما جعل المغرب في صدارة البلدان الإفريقية المستفيدة من هذه التحويلات وإذا كانت هذه الأموال تدعم في الأساس الاستهلاك وتحسين مستوى عيش الأسر فإن الرهان الحقيقي يتمثل في توجيه جزء معتبر منها نحو مشاريع إنتاجية توفر قيمة مضافة وتخلق فرص الشغل خاصة في قطاعات واعدة مثل السياحة المستدامة والفلاحة العصرية وتثمين المنتوجات المجالية والطاقات المتجددة بما يفتح آفاقا واسعة للتنمية في الجهات التي تعاني من الهشاشة وفي مقدمتها جهة درعة تافيلالت.
كما أن هذا اليوم يمثل تذكيرا بضرورة الحفاظ على الهوية الوطنية وترسيخها لدى الأجيال الصاعدة من أبناء الجالية عبر التشبث باللغة والثقافة والدين بما يجعلهم سفراء لقيم المغرب في مجتمعات الإقامة فالموروث الروحي والثقافي يشكل حجر الزاوية في استمرار الصلة الحية بين المهاجر ووطنه ويجعل منه فاعلا في الدفاع عن المصالح العليا للمغرب ويبرز في هذا السياق البعد الاستراتيجي للجالية المغربية كقوة ناعمة تعزز صورة المغرب في الخارج وتدافع عن قضاياه العادلة وعلى رأسها قضية الوحدة الترابية من خلال شبكاتهم المدنية ،المهنية ، العلمية والسياسية وقدرتهم على التأثير في الرأي العام وصناع القرار.
وفي إطار الجهوية المتقدمة يمكن لليوم الوطني للمهاجر أن يتحول إلى منصة عملية لإطلاق منتديات جهوية للاستثمار موجهة للجالية يتم فيها عرض خريطة للمشاريع ذات الأهمية وتبسيط المساطر الإدارية للاستثمار وتوفير شباك وحيد للمستثمرين من الخارج مع ضمان التمويل والمواكبة القانونية وتشجيع الشراكات بين مستثمري الداخل والخارج فلكل جهة خصوصياتها وإمكاناتها القادرة على جذب رؤوس أموال وخبرات أبنائها بالخارج إذا توفرت الإرادة الحقيقية لتعبئة هذه الطاقات.
ولكي لا يظل هذا الموعد مجرد محطة عابرة ينبغي جعله آلية دائمة لمتابعة قضايا الجالية وتنزيل الحلول العملية عبر تفعيل التوصيات أعلاه ووضع ميثاق وطني للاستثمار الخاص بالمغاربة المقيمين بالخارج يحدد الحوافز الضريبية والعقارية عبر حل مشكل الأراضي السلالية وتعبئة العقار ، ويضمن المواكبة في مختلف مراحل المشاريع مع تعزيز انخراطهم في الدبلوماسية الموازية واستثمار حضورهم الفاعل في المحافل الدولية.
إن الجالية المغربية بالخارج التي يتجاوز عددها خمسة ملايين مواطن تمثل رصيدا بشريا واقتصاديا وثقافيا لا يستهان به من حيث التأثير فهي جسر حضاري بين المغرب والعالم وذخيرة استراتيجية لمستقبل الوطن ، واليوم الوطني للمهاجر بما يحمله من دلالات هو موعد لتجديد العهد مع الوطن وتأكيد أن قوة المغرب تكمن في أبنائه المنتشرين عبر العالم وفي قدرتهم على الجمع بين جذورهم الراسخة وانفتاحهم على المستقبل خدمة لتنمية البلاد وتعزيز صورتها وصون مصالحها العليا.
(*) عضو المكتب التنفيذي لموسسة درعة تافيلالت للعيش المشترك



